حمله وتقوم بينها روابط قوية خفية وعلاقات وثيقة غامضة يذكرها الزمخشرى في قوله تعالى: { «فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا، إِنَّ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا كَانُوا خَاطِئِينَ. وَقَالَتِ امْرَأَتُ فِرْعَوْنَ قُرَّتُ عَيْنٍ لِي وَلَكَ، لَا تَقْتُلُوهُ عَسى أَنْ يَنْفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ» } [8]
يقول: فان قلت { «وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ» } حال فما ذو حالها؟ قلت: ذو حالها { «آلُ فِرْعَوْنَ» } وتقدير الكلام: فالتقطه آل فرعون ليكون لهم عدوا وحزنا، وقالت امرأة فرعون كذا وهم لا يشعرون أنهم على خطأ عظيم في التقاطه ورجاء النفع منه وتبنيه وقوله: { «إِنَّ فِرْعَوْنَ» } الآية، جملة اعتراضية واقعة بين المعطوف والمعطوف عليه مؤكدة لمعنى خطئهم وما أحسن نظم هذا الكلام عند المرتاض بعلم محاسن النظم [9] .
والكلام المنتظم هو الذى تتضح معانيه ويشف أسلوبه عن مدلوله، والكلام المتنافر هو الذى تختفى مدلولاته ولا يقف الذهن منها على شىء ومهما تابع الجمل لا يستقيم عنده معنى متسق، والقرآن العظيم قد يخفى فيه هذا المعنى المتسق إذا وقف الناظر عند ظاهر النص ولم يتغلغل في باطنه، والزمخشرى يقف مع هذه النصوص ويبين لنا وجه تلاؤم النظم يقول في قوله تعالى: { «ص، وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ. بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي عِزَّةٍ وَشِقَاقٍ» } [10] فان قلت: { «ص، وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ. بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي عِزَّةٍ وَشِقَاقٍ» } كلام ظاهر متنافر غير منتظم فما وجه انتظامه؟
قلت: فيه وجهان، أحدهما أن يكون قد ذكر اسم هذا الحرف من حروف المعجم على سبيل التحدى والتنبيه على الاعجاز كما مر في أول الكتاب ثم أتبعه القسم محذوف الجواب لدلالة التحدى عليه كأنه قال:
والقرآن ذى الذكر انه لكلام معجز، والثانى أن يكون «ص» خبر مبتدأ محذوف على أنها اسم للسورة، كأنه قال: هذه «ص» يعنى هذه
(8) القصص: 8، 9
(9) الكشاف ج 3ص 30
(10) سورة ص: 1، 2