يقول في قوله تعالى: { «فَإِذَا مَسَّ الْإِنْسَانَ ضُرٌّ دَعَانَا ثُمَّ إِذَا خَوَّلْنَاهُ نِعْمَةً مِنَّا قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلى عِلْمٍ» } [4] : فان قلت: ما السبب في عطف هذه الآية بالفاء وعطف مثلها في أول السورة بالواو؟ قلت: السبب في ذلك أن هذه وقعت مسببة عن قوله: { «وَإِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَحْدَهُ اشْمَأَزَّتْ» } [5]
على معنى يشمئزون عند ذكر الله ويستبشرون بذكر الآلهة فاذا مس أحدهم ضر دعا من اشمأز من ذكره دون من استبشر بذكره، وما بينها من الآى اعتراض. فان قلت: حق الاعتراض بأن يؤكد المعترض بينه وبينه؟ قلت: ما في الاعتراض من دعاء رسول الله صلّى الله عليه وسلم ربه بأمر منه وقوله: { «أَنْتَ تَحْكُمُ بَيْنَ عِبَادِكَ» } [6] ثم ما عقبه من الوعيد العظيم تأكيد لانكار اشمئزازهم واستبشارهم ورجوعهم إلى الله في الشدائد دون آلهتهم كأنه قيل: قل يا رب لا يحكم بينى وبين هؤلاء الذين يجترئون عليك مثل هذه الجراءة ويرتكبون مثل هذا المنكر الا أنت، وقوله: { «وَلَوْ أَنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا» } [7] متناول لهم ولكل ظالم ان جعل مطلقا أو اياهم خاصة ان عنيتهم به كأنه قيل: ولو أن لهؤلاء الظالمين ما في الأرض جميعا ومثله معه لافتدوا به حين أحكم عليهم بسوء العذاب، وهذه الأسرار والنكت لا يبرزها الا علم النظم والا بقيت محتجبة في أكمامها. (الكشاف ج 1ص 104) .
فعلم النظم هنا يبين صلة معانى الجمل المعترضة بالكلام الذى وقعت معترضة فيه. فالتسبيب بين آية { «وَإِذَا ذُكِرَ اللَّهُ» } وآية { «فَإِذَا مَسَّ الْإِنْسَانَ ضُرٌّ» } واضح وان اعترضت بينهما هذه الجمل الطويلة لأن الاعتراض تأكيد الكلام وتقريره فهو جزء منه مرتبط به.
ومثل هذا البحث الذى يكون موضوعه علاقة الجمل المعترضة وجلاء هذه العلاقة حتى يظهر اتحاد الجمل والتئام بعضها ببعض وتخصيص هذا البحث بعلم النظم، وأنه لا يطيق هذا البحث الا من ارتاض بهذا العلم وتدرب على ذوق هذا النمط من التعبير الذى تتداخل
(4) الزمر: 49
(5) الزمر: 45
(6) الزمر: 46
(7) الزمر: 47