فهرس الكتاب

الصفحة 237 من 744

{بِالْغَيْبِ»} إلى ساقته كأنه جواب لهذا السؤال المقدر وجىء بصفة «المتقين» المنطوية تحتها خصائصهم التى استوجبوا بها من أن يلطف بهم ويفعل بهم ما لا يفعل بمن ليسوا على صفتهم، أى الذين هؤلاء عقائدهم وأعمالهم أحقاء بأن يهديهم الله ويعطيهم الفلاح، ونظيره قولك: أحب رسول الله صلّى الله عليه وسلم الأنصار الذين قارعوا دونه وكشفوا الكرب عن وجهه أولئك أهل المحبة، وان جعلته تابعا ل «المتقين» وقع الاستئناف على «أولئك» كأنه قيل: ما للمستقلين بهذه الصفات قد اختصوا بالهدى؟ فأجيب: بأن أولئك الموصوفين غير مستبعد أن يفوزوا دون الناس بالهدى عاجلا وبالفلاح آجلا، فان قلت: هل يجوز أن يجرى الموصول الأول على «المتقين» ، وأن يرتفع الثانى على الابتداء، و «أولئك» خبره؟ قلت: نعم على أن يجعل اختصاصهم بالهدى والفلاح تعريضا بأهل الكتاب الذين لم يؤمنوا بنبوة رسول الله صلّى الله عليه وسلم وهم ظانون أنهم على الهدى وطامعون أنهم ينالون الفلاح» [3] .

فموضوع النظم هنا: بحث علاقة الجملة بالجملة وبيان وجه ارتباطها بها، والأسرار المعنوية التى وراء هذه الارتباطات، واذا كان الاعراب يبين لنا أن { «الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ» } مبتدأ و { «أُولَئِكَ عَلى هُدىً» }

فى محل رفع خبرا لهذا المبتدأ أو أن { «الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ» } تابع «للمتقين» بدل منه، وجملة «أولئك» لا محل لها لأنها وقعت موقع الاستئناف إذا كان علم الاعراب يبين لنا هذا فان علم النظم هو الذى يبحث عما وراء هذه الصناعة النحوية ويفسرها ويكشف لنا ألوان المعنى التى وراءها، ولهذا تراه يقول: واذا ارتفع الموصول الثانى على الابتداء وهذا وجه ثالث من التخريجات النحوية يعطى التركيب معنى جديدا يفهم من عرضه ويكون فيه غمزا لأهل الكتاب.

وعلم النظم هو الذى يبرز الأسرار والنكت في أسلوب القرآن ويكشف الفروق المعنوية الدقيقة بين خصوصيات التراكيب ويربط هذه الخصوصيات بالسياق والغرض العام.

(3) الكشاف ج 1ص 34

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت