فهرس الكتاب

الصفحة 241 من 744

وتجاوب النظم يعنى انسجام المعانى وتقاربها ووضوح الوشائج والصلات بينها، وهذا سمت الأسلوب القرآنى ولهذا فصل كتاب الله سورا، يقول الزمخشرى في بيان الأسرار التى من أجلها كان كتاب الله سورا:

«ومنها أى ومن هذه الفوائد أن التفصيل سبب تلاحق الأشكال والنظائر وملاءمة بعضها البعض وبذلك تتلاحظ المعانى وبتجاوب النظم» [15] .

ويذكر تجاوب النظم أيضا ويقصد به انسجام المعانى ووضوح الوشائج والصلات بينها فاذا لم يكن هذا ظاهرا في النص القرآنى كشفه الزمخشرى وأبان عنه.

يقول في قوله تعالى: { «يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ» } [16] : «فان قلت: فهلا قيل «تعبدون» لأجل «اعبدوا» أو «اتقوا» لمكان «تتقون» ليتجاوب طرفا النظم؟ قلت:

ليس التقوى غير العبادة حتى يؤدى إلى تنافر النظم وانما التقوى قصارى أمر العابد ومنتهى جهده فاذا قال: { «اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ» } للاستيلاء على أقصى غايات العبادة، كان أبعث على العبادة وأشد الزاما لها وأثبت لها في النفوس، ونحوه أن تقول لعبدك: احمل خريطة المكتب فما ملكتك يمينى الا لجر الأثقال، ولو قلت «لحمل خرائط المكتب» لم يقع من نفسه ذلك الموقع» [17] .

فعدول القرآن هنا عن العبادة إلى نوع خاص منها وهو التقوى التى هى قصارى أمر العابد جعل الأسلوب أقوى والمعنى أوقع كما قال في المثال الذى ساقه، وذلك لأن الأمر بالعبادة أمر بأداء بعض ما خلقوا من أجله لأنهم لم يخلقوا ليبلغوا في عبوديتهم لله درجة العبادة فحسب، وانما خلقوا ليبلغوا في العبادة غايتها وهى التقوى. ومن البلاغة وسداد النظم أن يردف الأمر بما يحث النفس حثا إلى الامتثال

(15) الكشاف ج 1ص 74

(16) البقرة: 21

(17) الكشاف ج 1ص 66

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت