اليه وقد وقف الزمخشرى عند قوله تعالى: { «يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا» } [18] ليسأل نفس السؤال ويجيب نفس الاجابة وكأن هذه قاعدة بلاغية يهتم بتوضيحها في نظم القرآن، قال: فان قلت: الذى يقتضيه سداد نظم الكلام وجزالته أن يجاء عقيب الأمر بالتقوى بما يوجبها أو يدعو اليها ويبعث عليها فكيف كان خلقه اياهم من نفس واحدة على التفصيل الذى ذكره موجبا للتقوى وداعيا اليها؟ قلت: لأن ذلك مما يدل على القدرة العظيمة، ومن قدر على نحوه كان قادرا على كل شىء، ومن المقدورات عقاب العصاة فالنظر فيه يؤدى إلى أن يتقى القادر عليه ويخشى عقابه، ولأنه يدل على النعمة السابقة عليهم فحقهم أن يتقوه في كفرانها والتفريط فيما يلزمهم من القيام بشكرها، أو أراد بالتقوى تقوى خاصة وهى أن يتقوه فيما يتصل بحفظ الحقوق بينهم فلا يقطعون ما يجب عليهم وصله (الكشاف ج 1ص 355) .
وكأن الزمخشرى قد استنبط هذه القاعدة البلاغية في أسلوب الأمر من مثل قوله تعالى: { «يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ، إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ» } [19] فقد جاء عقيب الأمر بالتقوى بما يدفع النفس دفعا اليها بما صوره من هول هذه اللحظات.
ونظم الكلام هنا تأليفه، وسداد النظم وجزالته مراعاة الأصول البلاغية في هذا النظم أو هذا التأليف، والبحث هنا كشف واستنباط لهذه الأصول التى تجرى عليها أساليب البلغاء.
وللنظم وجه من الحسن يدركه الزمخشرى في قوة بناء الأسلوب وشدة تماسكه، وعبارة الزمخشرى فيه تقرب من عبارة عبد القاهر في فصل عقده للنمط العالى والأسلوب الأعظم [20] ويلمح الزمخشرى في هذا الصدد أثرا بلاغيا لبعض مواقع المصادر. يقول في قوله تعالى:
(18) النساء: 1
(19) الحج: 1
(20) ينظر دلائل الاعجاز ص 63، 64