فهرس الكتاب

الصفحة 245 من 744

ذلك يؤدى إلى اختلال ترتيب الكلام وعدم مطابقته لترتيب المعانى في النفس، وفى هذا يدرك هذا الفقيه العظيم ترتيب المعانى النفسية ومراتب الأحوال الوجدانية وضرورة ترتيب الكلام على وفقها ونظامها ولكى لا نبعد عن موضوع حديثنا نقول: ان النظم هنا كما في غيره من المواضع هو تأليف الكلام وترتيبه، وسداد النظم هنا يتطلب منا هذه النظرة النفسية الدقيقة التى تحيط بما تشيعه هذه الآيات المتجاورة وتبعثه نغماتها الحزينة من هذا الفيض الانفعالى الذى ترسله النفس الانسانية في انسياب وتتابع حينما تواجه هذا المصير المحتوم، ثم أن الزمخشرى يرى أن نظوم الكلام المختلفة توضع بازاء معان تركيبية مختلفة ويرتبط كل نظم من هذه النظوم في هذه اللغة بمعنى، فأسلوب الكلام ونظمه يوضع لمعنى كذا، وكما أن الألفاظ المفردة توضع بازاء معانيها التركيبية ويتبين معناها الخبير بهذه التراكيب الممارس لها ويجب أن يكون أدق وأنفذ، وأن تكون خبرته أوسع لدقة المعنى التركيبى وخفائه. ولهذا يقع الناس في الخطأ ويفهمون من النظم والأسلوب غير معناه وحينئذ يخرجون الكلام عن دلالاته البلاغية الشريفة. يقول الزمخشرى مفصحا عن كل هذا في تفسيره لقوله تعالى:

{ «قُلْ إِنْ كَانَ لِلرَّحْمَنِ وَلَدٌ فَأَنَا أَوَّلُ الْعَابِدِينَ» } [29] يقول: «وهذا كلام وأرد على سبيل الفرض والتمثيل وهو المبالغة في نفى الولد والاطناب فيه وألا يترك الناطق به شبهة الا مضمحلة مع الترجمة عن نفسه بثبات القدم في باب التوحيد، وذلك أنه علق العبادة بكينونة الولد وهى محال في نفسها فكان المعلق بها محالا مثلها فهو في صورته اثبات الكينونة والعبادة وفى معنى نفيها على أبلغ الوجوه وأقواها، ونظيره أن يقول العدلى للمجبر: ان كان الله تعالى خالقا الكفر في القلوب ومعذبا عليه عذابا سرمدا فأنا أول من يقول هو شيطان وليس باله، فمعنى هذا الكلام وما وضع له أسلوبه ونظمه نفى أن يكون الله تعالى خالقا الكفر

(29) الزخرف: 81

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت