فهرس الكتاب

الصفحة 265 من 744

والكلمة الواحدة لها ايحاءان مختلفان حسب سياقها، فقد عبر القرآن الكريم بكلمة «سيق» في جانب الكافرين وسوقهم إلى جهنم زمرا، وفى جانب المؤمنين وسوقهم إلى الجنة زمرا. ويقف الزمخشرى عند هذا اللفظ في هذين المقامين المتباينين، ليشير إلى ايحائه هنا وايحائه هناك فيقول: «فان قلت: كيف عبر عن الذهاب بالفريقين جميعا بلفظ السوق؟ قلت: المراد بسوق أهل النار طردهم اليها بالهوان والعنف، كما يفعل بالأسارى والخارجين على السلطان إذا سيقوا إلى حبس أو قتل، والمراد بسوق أهل الجنة، سوق مراكبهم لأنه لا يذهب بهم الا راكبين وحثها اسراعا بهم إلى دار الكرامة والرضوان، كما يفعل بمن يشرف ويكرم من الوافدين على بعض الملوك، فشتان ما بين السوقين» [16] .

والزمخشرى يجتهد كما قلنا في توضيح ما في اللفظ القرآنى من تلويحات، يبث الحذر والاشفاق بها في قلوب المؤمنين حتى تستقيم نفوسهم على الجادة، واللفظ القرآنى غنى بهذه الايحاءات لأنه كتاب تهذيب وتقويم وطريقته في التهذيب والتقويم هى النفاذ إلى النفس الانسانية وقيادتها واقامتها قيمة على نفسها، وطريقة التلويح والايحاء طريقة لا تخطئ في النفاذ إلى النفس وايقاظها والتأثير فيها. يقول الزمخشرى في قوله تعالى: { «وَعَصى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوى» } [17] : «بهذا الاطلاق والتصريح وحيث لم يقل «وزل آدم وأخطأ» وما أشبه ذلك مما يعبر به عن الزلات والفرطات، فيه لطف بالمكلفين ومزجرة بليغة، وموعظة كافة، وكأنه قيل لهم: انظروا واعتبروا كيف نعيت على النبى المعصوم حبيب الله الذى لا يجوز عليه الا اقتراف الصغيرة غير المنفرة زلته بهذه الغلظة وبهذا اللفظ الشنيع، فلا تتهاونوا بما يفرط منكم من السيئات والصغائر، فضلا أن يجسروا على التورط في الكبائر» [18] .

(16) الكشاف ج 4ص 114

(17) طه: 121

(18) الكشاف ج 3ص 74

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت