فهرس الكتاب

الصفحة 264 من 744

معوج، ويستخرج من تعبير القرآن فائدتين، الأولى نفى أن يكون فيه عوج قط، والثانية أن لفظ «عوج» مختص بالمعانى دون الأعيان [11] .

ويقول القرآن في موضع آخر: { «الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلى عَبْدِهِ الْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجًا. قَيِّمًا» } [12] فيجمع بين نفى العوج واثبات الاستقامة، ويقول الزمخشرى: «فان قلت: ما فائدة الجمع بين نفى العوج واثبات الاستقامة وفى أحدهما غنى عن الآخر؟ قلت: فائدته التأكيد، فرب مستقيم مشهود له بالاستقامة ولا يخلو من أدنى عوج عند السبر والتصفح» [13] .

فاذا ما نقل القرآن استعمال الكلمة من المعانى التى هى مختصة بها إلى الأعيان اجتهد الزمخشرى في بيان ملاءمتها لسياقها ولماذا آثرها القرآن على غيرها. يقول في قوله تعالى: { «وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الْجِبَالِ فَقُلْ يَنْسِفُهَا رَبِّي نَسْفًا. فَيَذَرُهَا قَاعًا صَفْصَفًا. لَا تَرى فِيهَا عِوَجًا وَلَا أَمْتًا» } [14] :

«فان قلت: قد فرقوا بين العوج والعوج فقالوا العوج بالكسر في المعانى والعوج بالفتح في الأعيان والأرض عين فكيف صح فيها المكسور العين؟

قلت: اختيار هذا اللفظ له موقع حسن بديع في وصف الأرض بالاستواء والملاسة ونفى الاعوجاج عنها على أبلغ ما يكون، وذلك أنك لو عمدت إلى قطعة أرض فسويتها وبالغت في التسوية على عينك وعيون البصراء من الفلاحة واتفقتم على أنه لم يبق فيها عوج قط ثم استطلعت رأى المهندس فيها وأمرته أن يعرض استواءها على المقاييس الهندسية لعثر فيها على عوج في غير موضع لا يدرك ذلك بحاسة البصر، ولكن بالقياس الهندسى فنفى الله عز وجل ذلك العوج الذى دق ولطف عن الادراك، اللهم الا بالمقياس الذى يعرفه صاحب التقدير والهندسة وذلك الاعوجاج لما لم يدرك الا بالقياس دون الاحساس لحق بالمعانى فقيل عوج بالكسر» [15] .

(11) ينظر الكشاف ج 4ص 97

(12) الكهف: 1، 2

(13) الكشاف ج 2ص 548

(14) طه: 107105

(15) الكشاف ج 3ص 69

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت