عند الناس لم ينزل هكذا نجوما سورة بعد سورة وآيات غب آيات على حسب النوازل وكفاء الحوادث وعلى سنن ما ترى عليه أهل الخطابة والشعر من وجود ما يوجد منهم مفرقا حينا فحينا وشيئا فشيئا حسب ما يعن لهم من الأحوال المتجددة والحاجات السانحة لا يلقى الناظم ديوان شعره دفعة ولا يرمى الناثر بمجموع خطبه أو رسائله ضربة فلو أنزله الله لأنزله خلاف هذه العادة جملة واحدة، قال الله تعالى: { «وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً» } [112] . فقيل: ان ارتبتم في هذا الذى وقع انزاله هكذا على مهل وتدرج فهاتوا أنتم نوبة واحدة من نوبه وهلموا نجما فردا من نجومه» [113] .
ويفرق بين دلالة «فعل» و «افتعل» ويشير إلى ما فيها من معانى الاهتمام والاعتمال ولهذا تقع مع الأحداث التى تنجذب اليها النفوس وتكون موضع تعلقها واهتمامها، يقول في قوله تعالى: { «لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ» } [114] : «فان قلت: لم خص الخبر بالكسب، والشر بالاكتساب؟ قلت: في الاكتساب اعتمال فلما كان الشر مما تشتهيه النفس وهى منجذبة اليه وأمارة به كانت في تحصيله أعمل وأجد فجعلت لذلك مكتسبة فيه، ولما لم تكن كذلك في باب الخير وصفت بما لا دلالة فيه على الاعتمال» [115] .
وقد يشير إلى أهمية صيغة الكلمة واصابتها لموقعها وأثرها في نفسه من غير أن يشرح هذه الأهمية ولا أن يوضح هذه الاصابة، وهذا لون من دراسة البلاغة التى يعتمد فيها على حسه ثم لا يعلل. واذا كانت من عادته أن يشرح عناصر الجودة وأسس البلاغة فلا ضير أن يتركنا لأنفسنا في بعضها وحسبه أن يشير إلى ما يجد.
يقول في قوله تعالى: { «أَطَّلَعَ الْغَيْبَ أَمِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا» } [116] : «من قولهم أطلع الجبل إذا ارتقى إلى أعلاه وأطلع
(112) الفرقان: 32
(113) الكشاف ج 1ص 73
(114) البقرة: 286
(115) الكشاف ج 1ص 254
(116) مريم: 78