وهناك نظر آخر لصيغة الماضى لا يتعلق ببنائها للمعلوم ولا للمجهول ولا بمجيئها على «أفعل أو «فعل» أو «افتعل» ، وانما يتناول هذه الصيغة من حيث وقوعها موقع المضارع وهو غير ناظر في هذا إلى كون هذا الاستعمال حقيقة أو مجازا وانما هو ناظر إلى ما يفيده هذا الاستعمال من المعانى وما يوحى به من الايحاءات التى تمد النص بمزيد من الأسرار والاشارات فيزداد بذلك خصوبة ونماء، يقول في قوله تعالى:
{ «إِنْ يَثْقَفُوكُمْ يَكُونُوا لَكُمْ أَعْدَاءً وَيَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ وَأَلْسِنَتَهُمْ بِالسُّوءِ وَوَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ» } [122] : «فان قلت: كيف أورد جواب الشرط مضارعا مثله ثم قال «وودوا» بلفظ الماضى؟ قلت: الماضى وان كان يجرى في باب الشرط مجرى المضارع في علم الاعراب فان فيه نكتة كأنه قيل: وودوا قبل كل شىء كفركم وارتدادكم. يعنى أنهم يريدون أن يلحقوا بكم مضار الدنيا والدين جميعا من قتل الأنفس وتمزيق الأعراض وردكم كفارا. وردكم كفارا أسبق المضار عندهم وأولها. لعلمهم أن الدين أعز عليكم من أرواحكم لأنكم بذالون لها دونه والعدو أهم شىء عنده أن يقصد أعز شىء عند صاحبه» [123] .
وقد يقع الماضى موقع المضارع لأن الحدث محقق الوقوع ثم يلمح الزمخشرى ما في هذا التعبير من الدلالة على علو شأن المخبر. يقول في قوله تعالى: { «إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا» } [124] : «هو فتح مكة وقد نزلت مرجع رسول الله صلّى الله عليه وسلم عن مكة عام الحديبية عدة له بالفتح، وجىء به على لفظ الماضى على عادة رب العزة سبحانه في اخباره لأنها في تحققها وتيقنها بمنزلة الكائنة الموجودة، وفى ذلك من الفخامة والدلالة على علو شأن المخبر ما لا يخفى» [125] .
(122) الممتحنة: 2
(123) الكشاف ج 4ص 409
(124) الفتح: 1
(125) الكشاف ج 4ص 263262