{ذُنُوبِكُمْ»} [181] : «فان قلت: ما معنى التبعيض في قوله {«مِنْ ذُنُوبِكُمْ» } ؟
قلت: ما علمته جاء هكذا الا في خطاب الكافرين كقوله: { «وَاتَّقُوهُ وَأَطِيعُونِ. يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ» } [182] ، وقوله: { «يَا قَوْمَنَا أَجِيبُوا دَاعِيَ اللَّهِ وَآمِنُوا بِهِ يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ» } [183] وقال في خطاب المؤمنين: { «هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلى تِجَارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ» }
الى أن قال: { «يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ» } [184] وغير ذلك مما يقفك عليه الاستقراء وكان ذلك للتفرقة بين الخطابين، ولئلا يسوى بين الفريقين في الميعاد» [185] .
وهذه لفتة إلى النظر في القرآن كله والإحاطة به وتبين مميزات أساليبه. ومثالها ما يلحظه في فعل الايمان وأنه يعدى ب «اللام» لغير الله تعالى، يقول في قوله تعالى: { «يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ» } [186]
«فان قلت: لم عدى فعل الايمان ب «الباء» إلى الله تعالى والى المؤمنين ب «اللام» ؟ قلت: لأنه قصد التصديق بالله الذى هو نقيض الكفر به فعدى ب «الباء» وقصد السماع من المؤمنين وأن يسلم لهم ما يقولونه ويصدقه لكونهم صادقين عنده فعدى ب «اللام» ، ألا ترى إلى قوله: { «وَمَا أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنَا وَلَوْ كُنَّا صَادِقِينَ» } [187] ما أنباه عن الباء، ونحوه:
{ «فَمَا آمَنَ لِمُوسى إِلَّا ذُرِّيَّةٌ مِنْ قَوْمِهِ» } [188] ، { «أَنُؤْمِنُ لَكَ وَاتَّبَعَكَ الْأَرْذَلُونَ» } [189] ، { «آمَنْتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ» } [190] .
ثم يقرر هذه القاعدة في قوله تعالى: { «آمَنْتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ» } فيقول: «واللام مع الايمان في كتاب الله لغير الله تعالى، كقوله:
{ «يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ» } (الكشاف: ج 3ص 60) .
(181) إبراهيم: 10
(182) نوح: 3، 4
(183) الأحقاف: 31
(184) الصف: 1210
(185) الكشاف ج 2ص 423.
(186) التوبة: 61
(187) يوسف: 17
(188) يونس: 83
(189) الشعراء: 111
(190) الكشاف ج 2ص 223والآية من سورة طه: 71