فهرس الكتاب

الصفحة 30 من 744

وهذا قاطع في أن الناس لن يفعلوا أى لن يستطيعوا أن يأتوا بسورة من مثله، ولو وضعت ألسنة الخلق جميعا في فم رجل واحد كما كان يقول الرافعى رحمه الله.

وقد اجتهد علماؤنا في بيان الشيء الذى به صار هذا الكلام العربى مغايرا لكلام البشر ومعجزا للبشر، مع أن ألفاظه من ألفاظهم، وتراكيبه من تراكيبهم، وذهبوا في ذلك مذاهب لا تخفى على أهل العلم، وانما أردت في هذه المقدمة أن أدل على واحد منها لم تتعاوره أقلام الباحثين كما تعاورت غيره، مع أنه من أدق ما قيل في هذا الباب وألطفه وأفضله، وأحكمه، ولعل دقته ولطافة مسلكه وصعوبة تحليله من أهم أسباب خفائه.

والمدقق في تحليل كلام علمائنا في هذا الباب يجد كلامهم قد بدأ من القرن الثالث وهو في قضية الاعجاز يتجه وجهتين: وجهة نبحث عناصر البلاغة المشتركة بين القرآن وكلام الناس من شعر وخطب ووصايا وغير ذلك، ثم تدل على أن هذه العناصر في القرآن بلغت من الدقة والسمو والغزارة والاصابة مبلغا يفوت الكلام كله، ويقطع أطماع أصحابه، ويقهر قواهم، ويقضى عليهم بالعجز الشامل المطبق الذى تستوى فيه الأقدام، فاذا كانت البلاغة في الشعر والأدب تدور حول التشبيهات والمجازات والأمثال، والكنايات وفنون النظم، فان هذه الفنون نفسها هى التى بنى عليها القرآن لأنها أصول بلاغة اللسان، ولكنها في القرآن شىء، وفى الشعر والأدب شىء آخر.

فاذا جمعت ما دبجته ألسنة الشعراء من فائق التشبيهات وراقك ذلك وحسن عندك وكثر بين يديك، ثم وضعت بازائه واحدا من تشبيهات القرآن رأيت البلاغة العالية في الأدب والشعر منطفئا ضياؤها وكأن شرط بهائها ألا توضع بازاء القرآن.

وهذا هو الوجه الشائع والمشهور في كتب البلاغة والتفسير، وهو الذى كان يمضى عليه أبو القاسم محمود بن عمر الزمخشرى رحمه الله

وأثابه. تراه يقول مثلا: «ولا ترى أحسن ولا ألطف ولا أحز للمفاصل من كنايات القرآن» (13) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت