فوق كل علم، واتقانا فوق كل اتقان، وبيانا فوق كل بيان، يعنى تجد في الكلام كمالا مطلقا ولا يمكن أن تجد توقيعة واحدة من توقيعات هذا الكمال المطلق في كلام واحد من الناس.
وحسبك هذا في تفتيش الكلام وتحليله، وتذوقه وتبينه، والوعى به، والفطنة لكل همسة وإشارة ولمحة، والتنبه لكل ذلك تنبها تقع به على ملامح صاحب الكلام وكأنك ترى صورته «الفوتوغرافية» تتحرك في سطوره.
والباقلانى بعد ما يحدثك عن هذا وعن الذى هو أجل منه ألف مرة يقول لك: «هيهات. هيهات!! هذا أمر وان دق فله قوم يقتلونه علما وأهل يحيطون به فهما، ويعرفونه اليك ان شئت، ويصورونه لديك ان أردت، ويجلونه عن خواطرك ان أحببت، ويعرفونه لفطنتك ان حاولت، وقد قال القائل:
للحرب والضّرب أقوام لها خلقوا ... وللدّواوين كتّاب وحسّاب
ولكل عمل رجال، ولكل صنعة ناس، وفى كل فرقة الجاهل، والعالم، والمتوسط، ولكن قد قل من يميز في هذا الفن خاصة، وذهب من يحصل في هذا الشأن الا قليلا» انتهى كلامه رحمه الله [11] .
* * * الاعتقاد بأن القرآن الكريم أعجز الجيل الذى نزل فيه، والأجيال اللاحقة، وأنه سيظل كذلك معجزا لأجيال الناس حتى ينتهى التكليف بقيام الساعة، هذا الاعتقاد واحد من عقائد المسلمين كالاعتقاد بالبعث، والحساب، والجنة، والنار لا خلاف فيه، ومنكره راد لخبر الكتاب العزيز لأن صريح القرآن جاء به { «وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ. فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ» } [12] .
(11) اعجاز القرآن ص 125
(12) البقرة: 23، 24