فهرس الكتاب

الصفحة 28 من 744

وحسبك أيضا ما أثاره علماء الاعجاز، وما نهجوه من طرق لدرس الشعر حتى انهم قالوا: انه لا سبيل إلى معرفة الاعجاز الا التوسع

فى معرفة الشعر وأسراره، وأنه لا يدرك أن كلام الله فوق كل كلام الا من اكتمل في معرفة نقد الشعر وميزه، وعرف أن الكلام يعلو مرقبا فوق مرقب وأنه طبقات تتنزل في منازل، وأن بعضه فوق بعض.

ثم ان الفكرة التى غلبت على نفسى في هذه السنوات الأخيرة، وكتبتها في مقدمات بعض كتبى وهى ضرورة سعى الدرس البلاغى نحو تحديد الخصوصيات الدقيقة التى تحدد أدب كل أديب وشعر كل شاعر انما هى مما أكده في نفسى أبو بكر بن الطيب وهو يدرس الاعجاز لأنى رأيته يبحث في كلام الله عن الله، من حيث جعل سبحانه كلامه دليلا عليه، وبرهانا لنبيه وحجة بالغة على خلقه، { «أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلى عَلَيْهِمْ» } [10] .

وكان قبل أن يدلك على البحث في كتاب الله عن الله يدلك على البحث في كلام كل ذى كلام عن صاحبه، يعنى أن تبحث في كلام زهير عن زهير وفى كلام النابغة عن النابغة وفى كلام أبى العلاء عن أبى العلاء وهكذا، لأن الكلام الصادر عن متكلم مبين ببيان بليغ يحمل لا محالة أدق ملامحه، يعنى ترى فيه من الأحوال النفسية واللغوية وطرائق التأتى وغير ذلك مما يدخل في بنية الكلام ويشكل هذه البنية، وكل هذا ينتهى بك إلى تحديد المتكلم ووسمه وطبعه، وهذه الدلالة لا يخطئها العلماء.

فاذا أحسنت فهم هذا وبلغت فيه مبلغ العلماء ثم نظرت في كلام الله فلن تجد وراءه شيئا من هذا، لن تجد وراءه حالا من أحوال النفس البشرية التى تجدها سافرة وراء كلام زهير والأعشى ووراء كل كلام صدر عن نفس بشرية يحمل لا محالة خصائصها، وطباعها، وقوتها، وضعفها، وأملها، ويأسها، ورضاها، وغضبها، وسعادتها، وشقاوتها إلى آخر ما أنت واجده في كل ما تقرأ، وانما تجد وراء هذا الكلام قوة فوق كل القوى، وقدرة فوق كل القدر، وعلما

(10) العنكبوت: 51

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت