فهرس الكتاب

الصفحة 27 من 744

انظر إلى ما شئت من مقررات النحاة والصرفيين والبلاغيين، تراها تقوم على تقصى الخصوصية اللغوية وحصرها وعدها، في الأدب كله، والشعر كله، والكلام كله، ولم تصبح قاعدة يسلكها العلماء في علومهم الا بهذا الاستقصاء.

انظر إلى قولهم: ان «كان» ترفع المبتدأ وتنصب الخبر، تجد وراء ذلك استقصاء هذا الفعل في الكلام كله، ثم دراسة نظام الجمل التى وقع فيها هذا الفعل بمتصرفاته في هذه المادة اللغوية المتسعة ثم استخراج القاعدة من هذه الاستعمالات.

وهكذا تأمل الأحوال التركيبية التى فيها تفصيل مثل قولهم: ان «لا» النافية للجنس تعمل عمل «ان» بشروط هى كذا وكذا، وأن اسمها إذا كان مضافا أو شبيها بالمضاف أعرب، وأنه إذا كان مفردا بنى على الفتح، وأنها إذا تكررت كان من شأنها كذا، تأمل في كل هذا تجده انما تأسس على استقصاء كامل لهذه الأداة، ثم دراسة العناصر اللغوية الداخلة في تكوين جملتها، وتحليلها عنصرا عنصرا وتصنيفها ورصد أحوالها ثم رصد حركة اللغة التى تختلف توقيعاتها تبعا لاختلاف الأحوال وتنوعها، ثم ان اختلاف التوقيعات اللغوية كثيرا ما تلحظ فروقا دقيقة وأحوالا عجيبة إلى آخر ما يدهشك في هذا، وتستقل معه ما تقوله من دراسة «قفا نبك» دراسة تعد فيها الخصائص واحدة واحدة. ونحن في هذا انما نريد أن تعود الدراسة الأدبية إلى مناهج الجد التى نهجها علماؤنا.

* * * هذا ذرو من علوم القرآن أشرنا اليه، وهناك حول القرآن مناهج للدراسة الأدبية كثيرة ومتنوعة، ولكنها مكفوفة هناك، وحسبك طريقة المفسرين الذين يقفون عند كل لفظة، وكل تركيب يتأملون ويستخرجون، ويعتصرون الكلمات اعتصارا.

وحسبك أيضا ما أثاره علماء الاعجاز، وما نهجوه من طرق لدرس الشعر حتى انهم قالوا: انه لا سبيل إلى معرفة الاعجاز الا التوسع

فى معرفة الشعر وأسراره، وأنه لا يدرك أن كلام الله فوق كل كلام الا من اكتمل في معرفة نقد الشعر وميزه، وعرف أن الكلام يعلو مرقبا فوق مرقب وأنه طبقات تتنزل في منازل، وأن بعضه فوق بعض.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت