فهرس الكتاب

الصفحة 26 من 744

هب أننا درسنا الشعر هذه الدراسة، وليس المراد أن نعد حروف القصيدة حرفا حرفا، ونقول: هذه قصيدة القاف وهذه قصيدة العين، وانما يكون المراد فلى الشعر مقطعا مقطعا، وحرفا حرفا، والنظر في ذلك، وبحثه وتقصيه، ومعرفة الخصوصيات اللغوية لكل قصيدة ندرسها، فكل قصيدة بناء لغوى له شكله ووسمه، وهذا يحتاج إلى جهد جهيد، ولكنه باب من العلم المتسع. ودراسة الخصوصيات الأسلوبية لأدب الأديب لا تتم الا بشيء كهذا يعنى احصاء الأفعال والأسماء، والجمل الفعلية والجمل الاسمية، والجمل المؤكدة، والجمل المرسلة، والجمل الخبرية والانشائية. وأى هذه الجمل أغلب على لغته ثم الخصوصيات المتعلقة بأحوال المفرد مثل التعريف والتنكير، والحذف والذكر، وأدوات الربط، مثل الواو والفاء و «ثم» ، وأدوات الشرط، والجمل التى يدخل بعضها في بعض، والجمل التى يعطف بعضها على بعض، وهكذا صنوف تشبيهاته ومجازاته، وكل هذا يعد عدا ويحصر حصرا ويدرس دراسة تتبين الفروق الدقيقة، وبهذا الاستقراء الواعى للخصوصيات البلاغية في أدب الأديب تتبين لنا سماته، ويكون كلامنا في الشعر والأدب كلاما مؤسسا على معرفة علمية دقيقة، ونحن بهذا ننتفع «بلمحة» واحدة من تراث علمائنا حول القرآن لأنهم وصلوا كما سبق في هذا المنهج الاحصائى إلى عد الحروف حرفا حرفا وتحديد مرات تكراره وهذا غاية التدقيق، ثم قرءوا الكلام البليغ قراءة لو أننا قرأناها لكان لنا منها علم غزير، فقد هدتهم قراءتهم المتأملة إلى أن يدركوا مثلا أن توالى الحروف المتحركة من غير أن يفصل بينها ساكن لا يطول في الكلام، وانما قصاراه في القرآن أن تتوالى ثمانية حروف متحركات،

وآن هذا جاء فقط في ثلاثة مواضع في قوله تعالى: { «إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا» } [7] ، فبين واو { «كَوْكَبًا» } وياء { «رَأَيْتُ» } ثمانية أحرف كلها متحركات وأن يدركوا مثلا أنه لم يجتمع في القرآن حاءان متتاليتان الا في آيتين: الأولى قوله تعالى في سورة البقرة:

{ «عُقْدَةَ النِّكَاحِ حَتَّى» } [8] والثانية في سورة الكهف: { «لَا أَبْرَحُ حَتَّى» } [9]

وليس في القرآن كافان في كلمة واحدة لا حرف بينهما الا في موضعين:

فى البقرة: { «مَنَاسِكَكُمْ» } وفى المدثر: { «مَا سَلَكَكُمْ» } .

ومما يذهب بجلال العلم في النفوس أن نقرأ مثل هذا من غير أن نفكر في الجهد المبذول فيه، والذى انتهى إلى هذه النتائج، ولم يكن هذا التدقيق البالغ في الشكل اللغوى الا وسيلة من وسائل التدقيق الأكثر في النظر إلى المعانى.

وهب أننا قرأنا «قفا نبك» قراءة تستوعب خصوصياتها وصورها وخواطرها وعلاقاتها حتى تصل إلى عد حروف المعجم فيها وما تجاور منها مما كثر تجاوره وما قل منها تجاوره، وهكذا تستوعب أصوات حروفها مقطعا مقطعا، وحركة حركة، وتختبر وتبلو وتتذوق كل نغمة، وكل نبرة، وكل خاطرة، وكل فكرة، هل ترى كلامنا فيها بعد هذا يكون من نوع ما نصفه بها الآن في كتبنا من تلك الأوصاف العامة التى تنطبق على غيرها كما تنطبق عليها؟ أم ترى أن هذا الدرس المستقصى والمستوعب والمستقرى الذى يعد الأحوال واحدة واحدة ويضع اليد عليها ويقول هذا هذا، سوف ينتهى بنا لا محالة إلى طريقة أخرى نتناول بها هذا الشعر؟

ثم ان طريقة التقصى والاستقراء وتفلية الكلام كلمة كلمة وحرفا حرفا وحركة حركة، لم تكن طريقة علمائنا وهم يدرسون القرآن فحسب وانما قامت علوم العربية كلها عليه سواء في ذلك النحو والتصريف والبلاغة.

(7) يوسف: 4

(8) البقرة: 235

(9) الكهف: 60

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت