فهرس الكتاب

الصفحة 25 من 744

وقبل أن أدع هذا الموضوع أنبه إلى مسألة تبدو بعيدة عن حقل الشعر مثل مسألة النسخ، وهى قولهم في تسمية السور بما هو خاص

بها مما لم يذكر في غيرها على الصفة التى ذكر عليها في السورة، فمثلا سورة النساء ذكر فيها من خواص النساء ما لم يذكر في غيرها مع أن النساء ذكرن في سور كثيرة، قالوا وهو المهم ان السور المسماة بحرف المعجم مثل: ق، ن، انما سميت بذلك لأن هذا الحرف هو أكثر الحروف دورانا فيها، وهذا ملحظ لغوى لا شىء فيه لغير اللغة، وعليه وضعت التسمية.

هب أننا درسنا الشعر هذه الدراسة، وليس المراد أن نعد حروف القصيدة حرفا حرفا، ونقول: هذه قصيدة القاف وهذه قصيدة العين، وانما يكون المراد فلى الشعر مقطعا مقطعا، وحرفا حرفا، والنظر في ذلك، وبحثه وتقصيه، ومعرفة الخصوصيات اللغوية لكل قصيدة ندرسها، فكل قصيدة بناء لغوى له شكله ووسمه، وهذا يحتاج إلى جهد جهيد، ولكنه باب من العلم المتسع. ودراسة الخصوصيات الأسلوبية لأدب الأديب لا تتم الا بشيء كهذا يعنى احصاء الأفعال والأسماء، والجمل الفعلية والجمل الاسمية، والجمل المؤكدة، والجمل المرسلة، والجمل الخبرية والانشائية. وأى هذه الجمل أغلب على لغته ثم الخصوصيات المتعلقة بأحوال المفرد مثل التعريف والتنكير، والحذف والذكر، وأدوات الربط، مثل الواو والفاء و «ثم» ، وأدوات الشرط، والجمل التى يدخل بعضها في بعض، والجمل التى يعطف بعضها على بعض، وهكذا صنوف تشبيهاته ومجازاته، وكل هذا يعد عدا ويحصر حصرا ويدرس دراسة تتبين الفروق الدقيقة، وبهذا الاستقراء الواعى للخصوصيات البلاغية في أدب الأديب تتبين لنا سماته، ويكون كلامنا في الشعر والأدب كلاما مؤسسا على معرفة علمية دقيقة، ونحن بهذا ننتفع «بلمحة» واحدة من تراث علمائنا حول القرآن لأنهم وصلوا كما سبق في هذا المنهج الاحصائى إلى عد الحروف حرفا حرفا وتحديد مرات تكراره وهذا غاية التدقيق، ثم قرءوا الكلام البليغ قراءة لو أننا قرأناها لكان لنا منها علم غزير، فقد هدتهم قراءتهم المتأملة إلى أن يدركوا مثلا أن توالى الحروف المتحركة من غير أن يفصل بينها ساكن لا يطول في الكلام، وانما قصاراه في القرآن أن تتوالى ثمانية حروف متحركات،

وآن هذا جاء فقط في ثلاثة مواضع في قوله تعالى: { «إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا» } (7) ، فبين واو { «كَوْكَبًا» } وياء { «رَأَيْتُ» } ثمانية أحرف كلها متحركات وأن يدركوا مثلا أنه لم يجتمع في القرآن حاءان متتاليتان الا في آيتين: الأولى قوله تعالى في سورة البقرة:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت