فهرس الكتاب

الصفحة 24 من 744

كما يذكر الغراب في البيت الخامس والثلاثين:

ومن تعرّض للغربان يزجرها ... على ملامته لا بد مشئوم

وهذا تطير شديد لأن الشاعر يقول: ان الغربان التى يتشاءم بها لا بد أن ينال شؤمها من يزجرها، ولو كان سليما، وهذا البيت من مقاصد القصيدة وقد كثرت فيها الحكمة وفيها نفس من زهير.

واذا تأملت عناصر الشعر عنصرا عنصرا ظهر لك التناسب بصورة أوضح.

وفي هذا المحيط ترى ضربا من الوحدة ليست هى الوحدة العضوية التى أهلكت كثيرا من وقتنا، كما استفسدت كثيرا من الشعر الجيد العالى، ولكنها الآن كما قال الفحل علقمة: «رد الاماء جمال الحى فاحتملت» . أعنى أنها رحلت وطويت صفحتها كما أسدل الستار على سدنتها، وبقى الشعر الجاهلى مطويا على أسرار صنعته، وتحاول الآن البنوية أن تستخرج منه أضغانه، ولكنه يشيح عنها اشاحة الكاره المزدرى لمن يصطنعونها لأنهم يجهلون قراءته، وانما يزيفون حقائقهم حتى يتوهمهم الأغرار علماء كما يلبس الحمقى ثياب الزور والوطنية والشرف والطهارة ويسرقون أمر الناس وهم أغدر بشعوبهم من الذئاب الجائعة وأبعد دنسا في بواطنهم من الكلاب الضالة.

أقول: ان الشعر الجاهلى ينصرف عن هؤلاء الحزاقيل الصغار الضعاف انصراف المزدرى العزيز فلا يرون منه الا وجها متجهما فيتحدثون عن «ثورة اليسار الماركسى» عند شعراء الجاهلية الذين ثاروا على «الطبقة البرجوازية» هكذا فاذا كان الشاعر ملكا أو شريفا ولا يعقل أن يتحدثوا عنه ويصفونه بأنه صعلوك يسارى رأوا منه شيئا آخر فذكروا «الشبقية» وجعلوها قطبا تدور عليه الدراسة.

هذا شىء مما يمكن أن يقتبس من علم المناسبة، والعلم بعد زاخر بالعطاء لمن يحسن التدبر والانتفاع باشارات العلماء.

وقبل أن أدع هذا الموضوع أنبه إلى مسألة تبدو بعيدة عن حقل الشعر مثل مسألة النسخ، وهى قولهم في تسمية السور بما هو خاص

بها مما لم يذكر في غيرها على الصفة التى ذكر عليها في السورة، فمثلا سورة النساء ذكر فيها من خواص النساء ما لم يذكر في غيرها مع أن النساء ذكرن في سور كثيرة، قالوا وهو المهم ان السور المسماة بحرف المعجم مثل: ق، ن، انما سميت بذلك لأن هذا الحرف هو أكثر الحروف دورانا فيها، وهذا ملحظ لغوى لا شىء فيه لغير اللغة، وعليه وضعت التسمية.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت