يقول في قوله تعالى: { «وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ» } [240] : «والتعريف في «المفلحون» للدلالة على أن المتقين هم الناس الذين عنهم بلغك أنهم يفلحون في الآخرة، كما إذا بلغك أن انسانا قد تاب من أهل بلدك فاستخبرت من هو؟ فقيل: زيد التائب، أى هو الذى أخبرت بتوبته. أو على أنهم الذين ان حصلت صفة المفلحين وتحققوا ما هم وتصوروا بصورتهم الحقيقية فهم هم لا يعدون تلك الحقيقة، كما تقول لصاحبك: هل عرفت الأسد وما جبل عليه من فرط الاقدام؟ ان زيدا هو هو» والوجه الأول مأخوذ من كلام الامام عبد القاهر في حديثه عن الفرق بين: زيد منطلق، وزيد المنطلق. حيث يقول: «اذا قلت: زيد المنطلق فأنت في حديث انطلاق قد كان وعرف السامع كونه الا أنه لم يعلم أمن زيد كان أم من عمرو، فاذا قلت: المنطلق، أزلت عنه الشك وجعلته يقطع بأنه كان من زيد بعد أن كان يرى ذلك على سبيل الجواز» [241]
فالتعريف يشير إلى أن السامع قد عرف الحدث وبلغه أمره الا أنه شاك في الفاعل من هو؟ فقيل له: زيد المنطلق، بتقديم الفاعل الذى يشك فيه والحكم عليه بالحدث المعرف، وكلام الزمخشرى لا يخرج عن هذا، لأن المخاطب قد بلغه أمر الحدث أى فلاح قوم ولكنه لا يعرف صاحب هذا الوصف فقيل له: ان المتقين هم المفلحون، أى الذين بلغك أنهم يفلحون. والمعنى الثانى أشار اليه الزمخشرى في تعريف «المفلحون» مأخوذ من قول عبد القاهر: «واعلم أن للخبر المعرف بالألف واللام معنى غير ما ذكرت لك وله مسلك ثم دقيق ولمحة كالخلس يكون المتأمل عنده كما يقال يعرف وينكر وذلك قولك: هو البطل المحامى، وهو المتقى المرتجى، وأنت لا تقصد شيئا مما تقدم ولكنك تريد أن تقول لصحبك:
هل سمعت بالبطل المحامى؟ وهل حصلت معنى هذه الصفة وكيف ينبغى أن يكون الرجل حتى يستحق أن يقال ذلك له وفيه؟ فان كنت قبلته عاما وتصورته حق تصوره فعليك صاحبك واشدد به يدك فهو ضالتك
(240) البقرة: 5
(241) دلائل الاعجاز ص 123