واستيقنوه عادوا إلى القرآن ينظرون فيه فلم يجدوا فيه أثرا لهذا الأصل، الذى هو كالجزء من ماهية بلاغة الانسان. وجدوا كلاما يخلو خلوا قاطعا من هذا النفس الانسانى فكان هذا وجها ظاهرا.
وانما يتميز أدب الأديب وشعر الشاعر بمقدار ما يستطيع تحديده من هذه الخصائص الانسانية العامة، وتضييق هذه الدائرة حتى يكون أدبه دالا عليه هو، وأحواله هو، وطبعه هو، وانما تكون منزلته بمقدار ما يصيب في هذا الباب، فهناك من تراه غائما في أدبه، تائها فيه، تلوح لك، منه شيات مبهمة، وصفات غامضة، هو انسان يصدق عليه أن يكون زيدا وعمرا وبكرا وخالدا، لأنه لم يستطع بعد أن يتخذ له سمتا خاصا به، ونهجا دالا عليه، وانما لا يزال ينهض بجناح غيره، ويستقى من سحائب غيره، وهناك من استقام له نهجه الخاص به، ومذهبه الذى يسلكه، وهو الذى تراه في كل بيت يقوله.
وقد أشار الفرزدق إلى هذا حين ذكر شعر الفحل علقمة بن عبدة في قوله:
والفحل علقمة الذى كانت له ... حلل الملوك كلامه لا ينحل
والمقصود قوله: «كلامه لا ينحل» لأن هذا معناه أن شعر علقمة فيه من خصوصيات علقمة ومن وسمه ومن طبعه ومن سيماه ما لا يصح معه أن ينسب إلى غيره، وكأن شعر علقمة هو نفس علقمة. وكما لا يصح أن يلتبس شخص علقمة بشخص غيره، وكذلك لا يصح أن يلتبس شعر علقمة بشعر غيره.
ثم تأمل كيف كان يمدح الشاعر بأن له «حلل الملوك» ، وراجع ما يقوله أصحابنا في التكسب بالشعر، والفرزدق شاعر فحل متميز معارض لكبار الرءوس من حوله وقد ذكر «حلل الملوك» للشعراء وهو يريد أقدار الرجال وأقدار أشعارهم.
والمهم أنك تقرأ شعر الأعشى وكأنك ترى الأعشى فيه يتسكع في أوديته، واذا قرأت شعر زهير وجدت زهيرا في شعره متدثرا بحكمته،
واذا قرأت شعر النابغة وجدت النابغة فيه وعلى عواتقه هموم بنى ذبيان، وكل له مذهبه وله خواطره، وله صوره، وله جمله، وله رصفه وسبكه.