والمهم أنك تقرأ شعر الأعشى وكأنك ترى الأعشى فيه يتسكع في أوديته، واذا قرأت شعر زهير وجدت زهيرا في شعره متدثرا بحكمته،
واذا قرأت شعر النابغة وجدت النابغة فيه وعلى عواتقه هموم بنى ذبيان، وكل له مذهبه وله خواطره، وله صوره، وله جمله، وله رصفه وسبكه.
فاذا ما تركنا ذلك وقرأنا البقرة وآل عمران فاننا لن نجد في أى آية ولا في أى سطر هذا الانسان على الحد الذى رأيناه في الشعر، لن نجد له أثرا البتة شعر زهير لما كان مخرجه هو زهير كان يحمل وسم زهير، وشعر النابغة لما كان مخرجه هو النابغة بخواطره ووساوسه وجيله خرج يحمل وسم النابغة. وقد أكد الباقلانى هذا وشرحه شرحا وافيا، وأكد أن وسم أبى نواس في شعر أبى نواس، ووسم مسلم ابن الوليد في شعر مسلم بن الوليد، والشعر العميق يصف لك الملامح العميقة التى تحت السطح، والتى يحاول صاحبها أن يخفيها وراء أستار يتقنها من صنعة الشعر فقد يضحك وهو يخفى شجن الأسى وراء رنات الضحك، وقد يبكى وهو يخفى رنة الطرب وراء عويل الدموع، ولكن اللغة تقتنص منه هذه الأحوال التى يحاول أن يخفيها وتدل القارئ الفطن عليها لأن الوظيفة الأساسية للغة هى الابانة عن هذا الانسان، فلا بد أن يكون الانسان قابعا وراء كل كلمة من كلماتها، ولا بد أن يكون مصورا في حروفها، وأصواتها، وتراكيبها، وصورها، ورموزها وشأنها كله.
اقرأ أى قصيدة شئت أو أى خطبة فسوف تجد وراء كل سطر نفسا انسانية تشتاق، أو تطرب، أو تحزن، أو تحب، أو تكره، أو تعد، أو ما شئت مما يجرى في خواطر الناس، واقرأ ما شئت من المصحف فلن تجد هذه النفس البتة، على حد وجودها هناك، وأحسب أن هذا هو الذى أدركه الجيل الأول، لما كان يسمع آيات القرآن فيبسط يده إلى رسول الله صلّى الله عليه وسلم مبايعا، وكان قبل ذلك بقليل يكاد يتميز غيظا على هذا الأمر، وانما حدث في هذه الدقائق القصيرة شىء اقتلع كل ما في النفس، حتى كأنه كفأها كما يكفأ الاناء، وأفرغ كل ما فيها، ولا بد أن يكون ذلك ثمرة احساس فاجأ النفس،
وهيمن عليها، وقهرها، وليس إلا أنه اعتاد أن يرى الانسان في كل ما تسمعه أذنه من لغة الانسان، فلما سمع القرآن لم يجد فيه ما اعتاده وانما وجد الله فاستيقن.