فهرس الكتاب

الصفحة 34 من 744

اقرأ أى قصيدة شئت أو أى خطبة فسوف تجد وراء كل سطر نفسا انسانية تشتاق، أو تطرب، أو تحزن، أو تحب، أو تكره، أو تعد، أو ما شئت مما يجرى في خواطر الناس، واقرأ ما شئت من المصحف فلن تجد هذه النفس البتة، على حد وجودها هناك، وأحسب أن هذا هو الذى أدركه الجيل الأول، لما كان يسمع آيات القرآن فيبسط يده إلى رسول الله صلّى الله عليه وسلم مبايعا، وكان قبل ذلك بقليل يكاد يتميز غيظا على هذا الأمر، وانما حدث في هذه الدقائق القصيرة شىء اقتلع كل ما في النفس، حتى كأنه كفأها كما يكفأ الاناء، وأفرغ كل ما فيها، ولا بد أن يكون ذلك ثمرة احساس فاجأ النفس،

وهيمن عليها، وقهرها، وليس إلا أنه اعتاد أن يرى الانسان في كل ما تسمعه أذنه من لغة الانسان، فلما سمع القرآن لم يجد فيه ما اعتاده وانما وجد الله فاستيقن.

اقرأ أول سورة طه التى هدمت جاهلية عمر فسوف تجد: الذى { «خَلَقَ الْأَرْضَ وَالسَّمَاوَاتِ الْعُلى» } [13] ، والذى { «لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَمَا تَحْتَ الثَّرى» } [14] ، و { «الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوى» } [15] . واقرأ شعر زهير الذى كان يحبه عمر رضى الله عنه فسوف تجد نفسا حائمة حائرة حول دمنة أم أوفى تحدق في العين والآرام وهى تمشى خلفة أو تنهض من كل مجثم، كما تجد النابغة يحدق في الأثافى أو يقف حائرا ليقول:

ألمحة من سنا برق قد رأى بصرى؟

أم وجه نعم بدا لى؟ أم سنا نار؟

بل وجه نعم بدا، والليل معتكر

فلاح لى من بين أثواب وأستار

تأمل اشتياقه الملتاع إلى نعم، وكيف تلبس وجهها بسنا البرق وسنا النار والليل معتكر، هذه بلاغة عالية، ولكن تربتها ومنبتها ومغرسها هو هذه النفس التى تراها وقد علتها صبوتها وصارت حائرة ترى وجه نعم في وهم صار حقيقة وسنا.

وهذا الاتجاه الذى يبحث عن بلاغة خاصة بالقرآن وهى غير بلاغة الشعر والأدب.

وكل ما يصدر عن الانسان انما كان لمحة كلمح البرق ما لبثت أن تاهت في الأفق، ولم يكن مدلولا عليها باللفظ الصريح، كما قلت، وانما كان ظاهرا تحت السطح، ولم يلفتني اليه الا وقفة حائرة مع نص كريم لأبى سليمان حمد بن إبراهيم الخطابى وقد ذكرت ذلك في كتاب الاعجاز.

(13) طه: 4

(14) طه: 6

(15) طه: 5

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت