بتقديم الخبر ولا نعلم أحدا يفرق بين: ليس في الدار رجل، وليس رجل في الدار، وعلى ما ذكر من أن خمر الجنة لا يغتال، وقد وصفت العرب بذلك خمر الدنيا قال علقمة بن عبدة:
تشفى الصّداع ولا يؤذيك طالبها ... ولا يخالطها في الرأى تدويم [12]
ولم يكن أبو حيان على صواب حينما رفض كلام الزمخشرى في هذه الآية وحينما ادعى التسوية بين قولنا: ليس في الدار رجل، وليس رجل في الدار، وقوله: «لا نعلم أحدا يفرق بين قولنا الخ» ، ليس كلاما دقيقا لأن أئمة هذا الفن قد فرقوا بين تقديم الشيء وتأخيره. وقد قال عبد القاهر: «اذا ثبت أن هناك معنى للتقديم في مثال فيجب أن يثبت هذا المعنى للتقديم في كل مثال» واذا كنا قد رأينا أن كلام الزمخشرى يدل صراحة على لزوم التقديم في هذا النوع للاختصاص فان الزمخشرى يرى أن السياق له أثره في تحديد هذه الدلالة، لذلك تراه يسكت عن الاختصاص في سياق آخر لا يجد له فيه معنى. يقول في قوله تعالى:
{ «وَاعْلَمُوا أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ اللَّهِ» } [13] : «فان قلت: ما فائدة تقديم خبر «ان» على اسمها؟ قلت: القصد إلى توبيخ بعض المؤمنين على ما استهجن الله منهم من استتباع رأى رسول الله صلّى الله عليه وسلم لآرائهم، فوجب تقديمه لانصباب الغرض اليه» [14] .
فان معنى الاختصاص هنا لا يستقيم الا بشيء من التأويل ولذلك لم تكن عبارة الزمخشرى مشعرة به واكتفى ببيان أن الخبر هو المقصود الأهم، فوجب تقديمه. لذلك أميل حين أقرر رأيه في هذا الموضوع إلى القول بأنه يرى دلالة التقديم على الاختصاص غالبا وهذا هو رأى الجمهور الذى صاغه الخطيب في قوله: «والتخصيص لازم للتقديم غالبا» وقد قال العصام: ان عبارة الخطيب هذه فيها حزازة لأنه لا معنى لكلمة اللزوم ما دام الأمر مبنيا على الغالب [15] .
(12) البحر المحيط ج 1ص 37.
(13) الحجرات: 7
(14) الكشاف ج 4ص 287.
(15) ينظر تقرير الانبابى ج 3ص 27