وينظر الزمخشرى في تركيب الجملة فيرى أن حملها على وجه نحوى أولى من غيره لفائدة بلاغية فيعول عليه وان كان خلاف المشهور بين النحاة تفضيلا للوجه الذى هو أخصب معنى وأوفر دلالة، يقول في قوله: { «أَرَاغِبٌ أَنْتَ عَنْ آلِهَتِي يَا إِبْرَاهِيمُ» } [23] : «لأنه كان أهم عنده وهو عنده أعنى، وفيه ضرب من التعجب والانكار، لرغبته عن آلهته، وأن آلهته ما ينبغى أن يرغب عنها أحد» [24] واعتبار «راغب» خبرا و «أنت» مبتدأ لا يرضى عنه ابن مالك وأبو البقاء وغيرهم لأنه يترتب عليه اما الفصل بين العامل ومعموله أى «راغب» و «عن آلهتى» بأجنبى وهو المبتدأ، واما الحاجة إلى تقدير عامل وهو خلاف الأصل، وقد قالوا في توجيه ما ذهب اليه الزمخشرى: ان المبتدأ ليس أجنبيا من كل وجه، ولا سيما والمفصول ظرف متوسع فيه، والمقدم في نية التأخير، والبليغ يلتفت لفت المعنى بعد أن كان لما يرتكبه وجه مساغ، وهذا الأسلوب قريب من ترجيح الاستحسان على القياس لقوة أثره، وأن زيادة الانكار انما تنشأ من تقديم الخبر كأنه قيل: أراغب أنت عنها، لا طالب لها راغب فيها، منبها له على الخطأ في ذلك، ولو قيل «أترغب» لم يكن من هذا الباب في شىء فتدبر» [25] .
وتوجيه النحاة لما ذهب اليه الزمخشرى ادراك للروح الأدبى التى تأثر بها توجيهاته الاعرابية.
أما تقديم المسند اليه، فان الكلام فيه يشمل تقديم الاسم على الفعل وتقديم الاسم على المشتق، أما تقديم الاسم على الفعل فقد أشار اليه في مواطن كثيرة منها قوله تعالى: { «اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ» } قال:
«وايقاع اسم {«اللَّهُ» } مبتدأ وبناء { «نَزَّلَ» } عليه فيه تفخيم ل {«أَحْسَنَ}
(23) مريم: 46
(24) الكشاف ج 3ص 15
(25) حاشية الشهاب ج 6ص 193