فهرس الكتاب

الصفحة 365 من 744

واحد، فاذا ادعينا أن الأداة مجاز في احدى هذه المعانى فما موقفنا من غيرها؟ وهل يمكن أن نقول انها نقلت من معناه الأصلى إلى هذه المعانى مجتمعة؟ الواقع أن اللفظ في المجاز ينقل من معناه إلى معنى آخر لا إلى جملة معان، وقد أدرك هذا بعض القدماء وأشاروا اليه، يقول الشهاب تعليقا على قول البيضاوى المختصر من كلام الزمخشرى في قوله تعالى: { «أَإِنَّكُمْ لَتَشْهَدُونَ أَنَّ مَعَ اللَّهِ آلِهَةً أُخْرى» } [214] يقول: «قوله تقرير لهم مع انكار واستبعاد سبق أن التقرير بمعنى التثبيت أو الحمل على الاقرار، والانكار يكون بمعنى التكذيب وأنه لم يقع، وبمعنى أنه لا ينبغى وقوعه والمراد هنا أنه تثبيت وتسجيل له وأنه مما لا يليق، وفيه جمع بين معانى الاستفهام وهى معان مجازية لا يجمع بينها وأن في ذلك التجوز خفاء حتى قيل انه لم يحم أحد حوله وأنه من أى أنواعه وقد حققه السيد الشريف قدس سره في حمله الا أن يقال انه يستعمل في أحد هذه المعانى وغيره مأخوذ من السياق فليتأول» [215] وهذا الجواب الذى ذكره للخروج من هذا الحرج مرفوض لأنه لا يفهم من كلام الزمخشرى.

وقد فكرت فيما قال هؤلاء المدققون فلم أجد في نفسى اقتناعا به، ولا قبولا له، وأحسب أنهم أنفسهم غير مقتنعين به، ولا متقبلين له، وقد ذكر العلامة عبد الحكيم وجوها من الاحتمالات قد يكون أحدها أقرب من غيره أو أقل اغرابا منها، قال عبد الحكيم: «انه قد يراد منها تلك المعانى بطريق الكناية، وقد تراد بطريق أنها من مستتبعات التراكيب كما تراد بطريق المجاز» [216] وهذا التردد دليل على غموض وجه هذه الدلالة وعلى عدم اقتناعه بواحدة منها وان كان أولاها اعتبار أنها من مستتبعات التراكيب وان كان القول به لا يسلم من ورود اعتراض عليه.

والزمخشرى أكثر تحررا في بحثه من المتأخرين لا يقف عند الكلمة

(214) الأنعام: 19

(215) حاشية الشهاب ج 4ص 37.

(216) تقرير الشمس الانبابى ج 3ص 148.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت