فى كل موضع ليقول انها هنا حقيقة أو مجاز ويكفيه أن يحيط بالغرض والمقصود من الكلام في بعض المقامات غير ملتفت إلى وجه الاستعمال [217]
والقسم الثالث في دراسة الاستفهام هو البحث في مطابقة الجواب للسؤال.
وقد لحظ الزمخشرى في هذا ملاحظات دقيقة وبين كيف يعدل الكلام البليغ عن الجواب المباشر إلى غيره مما هو أهم، وهذا قريب من أسلوب الحكيم الذى فصل البلاغيون القول فيه بعد عصر الزمخشرى وليس هو لأن العدول فيه ليس لأنه الأهم كما قالوا في أسلوب الحكيم ولهذا استحق هذه التسمية. أما ما نحن فيه فان العدول لمعان كثيرة.
يقول الزمخشرى في قوله تعالى: { «إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَا تَعْبُدُونَ. قَالُوا نَعْبُدُ أَصْنَامًا فَنَظَلُّ لَهَا عَاكِفِينَ» } [218] : «فان قلت «ما تعبدون» سؤال عن المعبود فحسب فكان القياس أن يقولوا «أصناما» كقوله تعالى:
{ «وَيَسْئَلُونَكَ مَا ذَا يُنْفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ» } [219] ، وقوله: { «مَا ذَا قَالَ رَبُّكُمْ، قَالُوا الْحَقَّ» } [220] ، وقوله: { «مَا ذَا أَنْزَلَ رَبُّكُمْ، قَالُوا خَيْرًا» } [221]
قلت: هؤلاء قد جاءوا بقصة أمرهم كاملة كالمبتهجين بها والمفتخرين، فاشتملت على جواب إبراهيم وعلى ما قصدوه من اظهار ما في نفوسهم من الابتهاج والافتخار، ألا تراهم كيف عطفوا على قوله { «نَعْبُدُ» } : { «فَنَظَلُّ لَهَا عَاكِفِينَ» } ولم يقتصروا على زيادة «نعبد» وحده، ومثاله أن تقول لبعض الشطار: ما تلبس في بلادك؟ فيقول: ألبس البرد الأتحمى فأجر ذيله بين جوارى الحى» [222]
(217) ينظر الكشاف ج 2ص 110، 111.
(218) الشعراء 70، 71
(219) البقرة: 219
(220) سبأ: 23
(221) النحل: 30
(222) الكشاف ج 3ص 250.