قيل: أمثل الجنة كمن هو خالد في النار؟ أى كمثل جزاء من هو خالد في النار، فان قلت: فلم عرى من حرف الانكار، وما فائدة التعرية؟
قلت: تعريته من حرف الانكار فيها زيادة تصوير لمكابرة من يسوى بين التمسك بالبينة والتابع لهواه، وأنه بمنزلة من يثبت التسوية بين الجنة التى تجرى فيها تلك الأنهار، وبين النار التى يسقى أهلها الحميم، ونظيره قول القائل:
أفرح أن أرزأ الكرام وأن ... أورث ذودا شصائصا نبلا
هو كلا منكر للفرح برزية الكرام، ووراثة الزود مع تعريته عن حرف الانكار، لانطوائه تحت حكم قول من قال: أتفرح بموت أخيك ووراثة ابله؟، والذى طرح لأجله حرف الانكار إرادة أن يصور قبح ما أذن به، فكأنه قال له: نعم مثلى يفرح بمرزأة الكرام، وبأن يستبدل منه زودا يقل طائله، وهو من التسليم الذى تحته كل انكار» [322]
والشصائص جمع شصوص بفتح الأول مثل عجوز وعجائز وهى الناقة التى قل لبنها جدا، والنبل بفتحتين هى الابل الصغار، واللفظ من الأضداد وقالوا: هو لحضرمى بن عامر وكان له تسعة اخوة فماتوا وورثهم وعيّر بذلك فقال هذا البيت:
إن كنت أزننتنى بها كذبا ... جزء فلاقيت مثلها عجلا
وأزنّه: أتهمه.
وقد يتوجه النفى إلى معنى ثابت ليفيد بهذا أن وجوده مخالف لما ينبغى أن يكون، وأن الأصل في مثله أن يكون منفيا وذلك في قولى تعالى: { «لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ» } [323] : «من باب التخييل، خيل أن من الممتنع المحال أن نجد قوما مؤمنين يوالون المشركين، والغرض به أنه لا ينبغى أن يكون ذلك، وحقه أن يمتنع، ولا يوجد بحال، مبالغة في النهى عنه،
(322) الكشاف ج 4ص 255
(323) المجادلة: 22