ومن الواضح أن البلاغيين المتأخرين كان لهم نظر في تحديد المعانى، وبيان مرامى القول، وأنهم درسوا لذلك أغراض الخبر، وان صبغوه صبغة منطقية حين حصروا قصد المخبر بخبره في أمرين، وان تجاوز البحث بعد ذلك هذا الأفق المحدود. وما أكتبه الآن من نظرات الزمخشرى في تحديد المعانى يتصل أكثره ببحث أغراض الخبر عند المتأخرين، مما يلفتنا إلى أنهم اعتمدوا عليه في كثير من هذا الباب.
وقد بين الزمخشرى أن الخبر قد يوجه إلى العالم به تنزيلا لعلمه منزلة عدمه لقصد تنبيهه من غفلته حتى يلتفت إلى ما يعلم فيعمل به، يقول في قوله تعالى: { «لَا يَسْتَوِي أَصْحَابُ النَّارِ وَأَصْحَابُ الْجَنَّةِ» } [497] :
«هذا تنبيه للناس وايذان لهم بأنهم لفرط غفلتهم وقلة فكرهم في العاقبة وتهالكهم على ايثار العاجلة واتباع الشهوات كأنهم لا يعرفون الفرق بين الجنة والنار، والبون العظيم بين أصحابهما، وأن الفوز مع أصحاب الجنة، فمن حقهم أن يعلموا ذلك وينبهوا عليه، كما تقول لمن يعق أباه: هو أبوك، تجعله بمنزلة من لا يعرفه فتنبهه بذلك على حق الأبوة» [498]
ومن الآيات المشهورة في هذا المعنى قوله تعالى: { «وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ، وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ، لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ» } [499] يقول الزمخشرى: «فان قلت: كيف أثبت لهم العلم أولا في قوله: {«وَلَقَدْ عَلِمُوا» } على سبيل التوكيد القسمى ثم نفاه عنهم في قوله { «لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ» } ؟ قلت: معناه: لو كانوا يعلمون بعلمهم، جعلهم حين لم يعملوا به كأنهم منسلخون عنه» [500]
وقد يراد بالخبر حث النفوس واثارتها للأخذ بأمر والتمسك به، كما في قوله تعالى: {«وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ بَعْدَ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ}
(497) الحشر: 20
(498) الكشاف ج 4ص 406
(499) البقرة: 102
(500) الكشاف ج 1ص 129