والنداء حتى كأن المتكلم بهذا الالتفات يخيل أنه يحكى هذا الأمر المهم ويرويه لكل عاقل ليستنكره ويستقبحه.
يقول في قوله تعالى: { «حَتَّى إِذَا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ» } [55] : «فان قلت: ما فائدة صرف الكلام عن الخطاب إلى الغيبة؟ قلت: المبالغة كأنه يذكر لغيرهم حالهم ليعجبهم منها ويستدعى منهم الانكار والتقبيح» [56] .
ويقول في قوله تعالى: { «إِنَّمَا يَأْمُرُكُمْ بِالسُّوءِ وَالْفَحْشَاءِ وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ. وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ» } [57] :
«لهم: الضمير للناس وعدل بالخطاب عنهم على طريقة الالتفات للنداء على ضلالهم، لأنه لا ضالة أضل من المقلد، كأنه يقول للعقلاء:
انظروا إلى هؤلاء الحمقى ماذا يقولون» [58] .
والانصراف إلى الغيبة قد يكون في مقام المدح والثناء أمدح وأعظم ثناء وكأن المتكلم يروى الأمر للآخرين تعجبا واستعظاما.
يقول في قوله تعالى: { «وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ زَكَاةٍ تُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُضْعِفُونَ» } [59] : { «فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُضْعِفُونَ» } التفات حسن كأنه قال لملائكته وخواص خلقه: فأولئك الذين يريدون وجه الله بصدقاتهم هم المضعفون، فهو أمدح لهم من أن يقول: فأنتم المضعفون» [60] .
وقد يعدل المتكلم إلى الخطاب تخييلا بالاقبال على المخاطب ومواجهته بزيادة اللوم والانكار، يقول في قوله تعالى: { «عَبَسَ وَتَوَلَّى. أَنْ جَاءَهُ الْأَعْمى. وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى» } [61] : «وفى الاخبار عما فرط منه ثم الاقبال عليه بالخطاب دليل على زيادة الانكار، كمن يشكو
(55) يونس: 22
(56) الكشاف ج 2ص 266.
(57) البقرة: 169، 170
(58) الكشاف ج 1ص 160
(59) الروم: 39
(60) الكشف ج 3ص 379
(61) عبس: 31