واذا كانت الجملة أو الجمل المعترضة غير واضحة الصلة بالكلام المسوقة فيه عند النظرة الأولى وقف الزمخشرى ليبين قوة صلتها بها وأنها مسوقة للتوكيد والتقرير، يقول في قوله تعالى: { «وَإِبْرَاهِيمَ إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاتَّقُوهُ، ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ. إِنَّمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْثَانًا وَتَخْلُقُونَ إِفْكًا. إِنَّ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ لَكُمْ رِزْقًا فَابْتَغُوا عِنْدَ اللَّهِ الرِّزْقَ وَاعْبُدُوهُ وَاشْكُرُوا لَهُ، إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ. وَإِنْ تُكَذِّبُوا فَقَدْ كَذَّبَ أُمَمٌ مِنْ قَبْلِكُمْ، وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ. أَوَلَمْ يَرَوْا كَيْفَ يُبْدِئُ اللَّهُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ، إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ. قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ» } [105] : «وهذه الآية: {«وَإِنْ تُكَذِّبُوا فَقَدْ كَذَّبَ أُمَمٌ» } والآيات التى بعدها إلى قوله: { «فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ» }
محتملة أن تكون من جملة قول إبراهيم صلوات الله عليه لقومه. وأن تكون آيات وقعت معترضة في شأن رسول الله صلّى الله عليه وسلم وشأن قريش بين أول قصة إبراهيم وآخرها فان قلت: فاذا كانت خطابا لقريش فما وجه توسطها بين طرفى قصة إبراهيم والجمل الاعتراضية لا بد لها من اتصال بما وقعت معترضة فيه، ألا تراك لا تقول: مكة وزيد أبوه قائم خير بلاد الله؟ قلت: ايراد قصة إبراهيم ليس الا إرادة للتنفيس عن رسول الله صلّى الله عليه وسلم، وأن تكون مسلاة له ومتفرجا بأن أباه إبراهيم خليل الله كان ممنوا بنحو ما منى به من شرك قومه وعبادتهم الأوثان.
فاعترض بقوله { «وَإِنْ تُكَذِّبُوا» } على معنى: انكم يا معشر قريش ان تكذبوا محمدا فقد كذب إبراهيم وكل أمة نبيها لأن قوله: { «فَقَدْ كَذَّبَ أُمَمٌ مِنْ قَبْلِكُمْ» } لا بد من تناوله لأمة إبراهيم وهو كما ترى اعتراض واقع متصل، ثم سائر الآيات الواطئة عقبها من أذيالها وتوابعها لكونها ناطقة بالتوحيد ودلائله وهدم الشرك وتوهين قواعده واصفة قدرة الله وسلطانه ووضوح حجته وبرهانه» [106] .
(105) العنكبوت: 2016
(106) الكشاف ج 3ص 352، 353