فى هذا أن الجملة قد تقدم على الأخرى لأنها أدل على الغرض المسوق له الكلام.
يقول في قوله تعالى: { «وَاللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ مِنْ مَاءٍ، فَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلى بَطْنِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلى رِجْلَيْنِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلى أَرْبَعٍ» } [119] : «فان قلت: لم جاءت الأجناس الثلاثة على هذا الترتيب؟ قلت: قدم ما هو أعرق في القدرة وهو الماشى بغير آلة مشى من أرجل أو قوائم، ثم الماشى على الرجلين، ثم الماشى على أربع» [120] .
وقد تتقدم الجملة لأنها تدل على الأكثر عددا كما في قوله تعالى:
{ «ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا، فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ» } [121] يقول: «فان قلت:
لم قدم الظالم؟ ثم المقتصد ثم السابق؟ قلت: للايذان بكثرة الفاسقين، وغلبتهم، وأن المقتصدين قليل بالاضافة اليهم، والسابقون أقل من القليل» [122] .
والآيات التى تتحدث عن نعم الله وتعددها قد يتقدم منها ما هو أكثر أثرا في حياة الناس المادية والروحية كما في قوله تعالى:
{ «لِنُحْيِيَ بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا وَنُسْقِيَهُ مِمَّا خَلَقْنَا أَنْعَامًا وَأَنَاسِيَّ كَثِيرًا» } [123]
يقول: «فان قلت: لم قدم احياء الأرض وسقى الأنعام على الأناسى؟
قلت: لأن حياة الأناسى بحياة أرضهم وحياة أنعامهم، فقدم ما هو سبب حياتهم وتعيشهم على مسقيهم، ولأنهم إذا ظفروا بما يكون سقيا أرضهم ومواشيهم لم يعدموا سقياهم» وكما في قوله تعالى: { «الرَّحْمَنُ. عَلَّمَ الْقُرْآنَ. خَلَقَ الْإِنْسَانَ. عَلَّمَهُ الْبَيَانَ. الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ بِحُسْبَانٍ» } [124] يقول: «عدّد الله عز وعلا آلاءه فأراد أن يقدم أول
(119) النور: 45
(120) الكشاف ج 4ص 195.
(121) فاطر: 32
(122) الكشاف ج 3ص 458.
(123) الفرقان: 49
(124) الرحمن: 51