فهرس الكتاب

الصفحة 489 من 744

فأتسلق بذلك إلى تسميته استعارة، لأنه في حكم المنطوق به. نظير قول من يخاطب الحجاج:

أسد علىّ وفى الحروب نعامة

فتخاء تنفر من صفير الصّافر [48]

وقد كان الزمخشرى بصيرا في تطبيق هذا الأساس الذى ارتضاه فرقا بين التشبيه والاستعارة. فقد يجرى الكلام على ما يوهم طرح المشبه واسقاطه، فيظن أنه من باب الاستعارة ثم يقع في الكلام ما يجعله من باب التشبيه، يقول في قوله تعالى: { «حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ» } [49] : «والخيط الأبيض هو أول ما يبدو من الفجر المعترض في الأفق كالخيط الممدود، والخيط الأسود ما يمتد معه من غبش الليل، شبها بخيطين أبيض وأسود، وقال أبو داود:

فلما أضاءت لنا سدفة ... ولاح من الصّبح خيط أنارا

وقوله: { «مِنَ الْفَجْرِ» } بيان للخيط الأبيض، واكتفى به عن بيان الخيط الأسود، لأن بيان أحدهما بيان للثانى، ويجوز أن تكون «من» للتبعيض، لأنه بعض الفجر وأوله، فان قلت: أهذا من باب الاستعارة أم من باب التشبيه؟ قلت: قوله { «مِنَ الْفَجْرِ» } أخرجه من باب الاستعارة، كما أن قولك: رأيت أسدا مجازا، فاذا زدت: من فلان، رجع تشبيها، فان قلت: فلم زيد { «مِنَ الْفَجْرِ» } حتى كان تشبيها؟ وهلا اقتصر به على الاستعارة التى هى أبلغ من التشبيه، وأدخل في الفصاحة؟ قلت: لأن من شرط المستعار أن يدل عليه الحال أو الكلام ولو لم يذكر { «مِنَ الْفَجْرِ» } لم يعلم أن الخيطين مستعاران فزيد { «مِنَ الْفَجْرِ» } فكان تشبيها بليغا وخرج من أن يكون استعارة» [50] .

(48) الكشاف ج 1ص 58، 59

(49) البقرة: 187

(50) الكشاف ج 1ص 174، 175

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت