للشافعى، وتأمل كيف كانت تنفذ فطنته في اختصار شديد إلى المسافات الممتدة وراء المعانى الظاهرة، وكيف كان يلتقط رقائق تذهلك حين يكشف وجهها، ويضع اليد على العلاقة المتينة بين اللفظ وما استخرجه منه، وكيف كان يعتبر وسائل متعددة، منها ما يتصل بالسياق الخاص والسياق العام، ومنها ما يقوم على ثقافات ومعارف خارج التركيب اللغوى، وكلام الشافعى كله شاهد على منهج دقيق في تحليل النصوص وطريقة حوار الكلام ومجاذبته، تأمل تفسيره لكلمة الحكمة في قوله تعالى: { «وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ» } [2] .
يقول الشافعى: «سمعت من أرضى من أهل العلم بالقرآن يقول:
الحكمة سنة رسول الله».
ثم رجح الشافعى ذلك بمرجحات منها أن الحكمة حين تأتى في الكتاب العزيز تكون مقترنة بالكتاب لا تقدم عليه، وانما يكون التركيب «الكتاب والحكمة» وهذا يعنى أنها تتلو الكتاب دائما وهذا يجعلها أشبه بالسنة، ثم ان هذا التركيب «الكتاب والحكمة» يأتى في القرآن مفعولا به للفعل «يعلّم» : { «وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ» } [3] .
والرسول صلّى الله عليه وسلم انما علم الناس الكتاب والسنة، ثم ان رسول الله صلّى الله عليه وسلم يأتى في ذكر الايمان مقترنا باسم الله سبحانه، وهذا يرجح أن تكون الحكمة المقترنة بالكتاب هى السنة.
وهكذا ترى هذه تأملات لغوية، وملاحظة قرائن أسلوبية تقوم على مراجعة مواقع الكلمة في السياق القرآنى، واستقصاء ذلك واصطناعه في استخراج المعنى. وكان المفسرون والفقهاء شيوخ لغة وشعر ورواية، وكان العلم باللغة والشعر أصل العلم كله في التفسير والفقه وأصول الدين، وقد قال الأصمعى: قرأت شعر الشنفرى على محمد بن ادريس، وقال: قرأت ديوان هذيل على شاب من شباب
(2) الأحزاب: 34
(3) الجمعة: 2