وقد أشرت في دراسة ألوان البديع عند الزمخشرى إلى تأثر الخطيب بهذه الدراسة وافادته منها افادة كثيرة، وكان هذا من أهم ما أكدت به اهتمام الزمخشرى بدراسة ألوان البديع، وأنه لم يغفلها، ولم تكن عنده محسنا عرضيا كما ذكر الدارسين، ونذكر هنا صورا ونماذج من هذا الأخذ البين لنؤكد به تأثر الخطيب ببحث الكشاف في علوم البلاغة الثلاثة.
يقول الخطيب في المشاكلة: «ومنه قول أبى تمام:
من مبلغ أفناء يعرب كلّها ... أنّى بنيت الجار قبل المنزل
وشهد رجل عند شريح فقال: انك لسبط الشهادة، فقال الرجل:
انها لم تجعد عنى، فالذى سوّغ بناء الجار وتجعيد الشهادة هو مراعاة المشاكلة، ولولا بناء الدار لم يصح بناء الجار، ولولا سبوطة الشهادة لامتنع تجعيدها وأما الثانى أى ذكر الشيء بلفظ غيره لوقوعه في صحبته تقديرا فكقوله تعالى: { «صِبْغَةَ اللَّهِ» } [87] وهو مصدر مؤكد منتصب عن قوله: { «آمَنَّا بِاللَّهِ» } ، والمعنى تطهير الله، لأن الايمان يطهر النفوس، والأصل فيه أن النصارى كانوا يغمسون أولادهم في ماء أصفر يسمونه المعمودية ويقولون: هو تطهير لهم، فأمر المسلمون بأن يقولوا لهم: آمنا بالله وصبغنا الله بالايمان صبغة لا مثل صبغتنا، وطهرنا به تطهيرا لا مثل تطهيرنا، أو يقول المسلمون: صبغنا الله بالايمان صبغة ولم نصبغ صبغتكم، وجىء بلفظ الصبغة للمشاكلة، وان لم يكن قد تقدم لفظ الصبغ، لأن قرينة الحال التى هى سبب النزول من غمس النصارى أولادهم في الماء الأصفر دلت على ذلك، كما تقول لمن يغرس الأشجار:
اغرس كما يغرس فلان، تريد رجلا يصطنع الكرام» [88] .
ويقول في التوجيه:
«وعليه قوله تعالى: {«وَاسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ وَرَاعِنَا» } [89] قال الزمخشرى: «غير مسمع: حال من المخاطب، أى اسمع وأنت غير مسمع
(87) البقرة: 138
(88) بغية الايضاح ج 4ص 24
(89) النساء: 46