{أَنْعَامًا وَأَنَاسِيَّ كَثِيرًا»} [79] ، فقدم حياة الأرض واسقاء الأنعام على اسقاء الناس وان كانوا أشرف محلا لأن حياة الأرض هى سبب لحياة الأنعام والناس، فلما كانت بهذه المثابة جعلت مقدمة في الذكر، ولما كانت الأنعام من أسباب التعيش والحياة للناس قدمها في الذكر على الناس لأن حياة الناس بحياة أرضهم وأنعامهم، فقدم سقى ما هو سبب نمائهم ومعاشهم على سقيهم، ومن هذا الضرب تقديم الأكثر على الأقل كقوله تعالى: { «ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا، فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ» } [80] وانما قدم الظالم لنفسه للايذان بكثرته وأن معظم الخلق عليه ثم أتى بعده بالمقتصدين لأنهم قليل بالاضافة اليه، ثم أتى بالسابقين وهم أقل من القليل أعنى المقتصدين فقدم الأكبر وبعده الأوسط ثم ذكر الأقل أخيرا ومن هذا الجنس قوله تعالى: { «وَاللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ مِنْ مَاءٍ، فَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلى بَطْنِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلى رِجْلَيْنِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلى أَرْبَعٍ» } [81] فانه انما قدم الماشى على بطنه لأنه أدل على القدرة من الماشى على رجلين اذ هو ماش بغير الآلة المخلوقة للمشى ثم ذكر الماشى على رجلين وقدمه على الماشى على أربع لأنه أدل على القدرة أيضا حيث كثرت آلات المشى في الأربع» [82] .
ويقف ابن الأثير أمام تحليلات الكشاف ليستخلص منها أصولا في باب التقديم، من ذلك قوله: «واعلم أنه إذا كان مطلع الكلام في معنى من المعانى ثم يجيء بعده ذكر شيئين أحدهما أفضل من الآخر وكان المعنى المفضول مناسبا لمطلع الكلام فأنت بالخيار في تقديم أيهما شئت لأنك إذا قدمت الأفضل فهو في موضعه من التقديم وان قدمت المفضول فلأن مطلع الكلام يناسبه وذكر الشيء مع ما يناسبه أيضا وارد فى
(79) الفرقان: 48، 49
(80) فاطر: 32
(81) النور: 45
(82) المثل السائر ج 2ص 230، 231، 232، وينظر الكشاف ج 1ص 12، ج 3ص 225، 484، 485، 495.