لقصد أن كتابا آخر فيه الريب لا فيه كما قصد في قوله تعالى: { «لَا فِيهَا غَوْلٌ» } فتأخير الظرف يقتضى النفى أصلا من غير تفضيل، وتقديمه يقتضى تفضيل المنفى عنه وهو خمر الجنة على غيرها من خمور الدنيا أى ليس فيها ما في غيرها من الغول وهذا مثل قولنا: «لا عيب في الدار» «ولا فيها عيب» فالأول نفى العيب عن الدار فقط، والثانى تفضيل لها على غيرها، أى ليس فيها ما في غيرها من العيب فاعرف ذلك فانه من دقائق هذا الباب» [76] .
وأصل هذا الكلام ما قاله الزمخشرى في هذه الآية من قوله:
«فان قلت: فهلا قدم الظرف على الريبة كما قدم على الغول في قوله تعالى: {«لَا فِيهَا غَوْلٌ» } ؟ قلت: لأن القصد في ايلاء الريب حرف النفى نفى الريب عنه واثبات أنه حق وصدق لا باطل وكذب كما كان المشركون يدعونه ولو أولى الظرف لقصد إلى ما يبعد عن المراد وهو أن كتابا آخر فيه الريب لا فيه كما قصد في قوله: { «لَا فِيهَا غَوْلٌ» } تفضيل خمر الجنة على الدنيا بأنها لا تغتال العقول كما تغتالها هى كأنه قيل:
ليس فيها ما في غيرها من هذا العيب والنقيصة» [77] .
وأما الضرب الثانى من التقديم والذى يختص بدرجة المتقدم في الذكر لاختصاصه بما يوجب له ذلك فقد كان اعتماد ابن الأثير فيه على ما ذكره الزمخشرى أوضح وأبين.
يقول ابن الأثير: «فمن ذلك أى فمن الضرب الثانى الذى لا يحصره حد ولا ينتهى اليه شرح تقديم السبب على المسبب كقوله تعالى: {«إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ» } [78] فانه انما قدم العبادة على الاستعانة لأن تقديم القربة والوسيلة قبل طلب الحاجة أنجح لحصول الطلب وأسرع لوقوع الاجابة وعلى نحو منه جاء قوله تعالى:
{«وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا. لِنُحْيِيَ بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا وَنُسْقِيَهُ مِمَّا خَلَقْنَا}
(76) المثل السائر ج 2ص 225، 226.
(77) الكشاف ج 1ص 27
(78) الفاتحة: 5