والزمخشرى والفخر الرازى، على أنه يذكر الزمخشرى أحيانا ولكن ليرد عليه بعض آرائه، ومن المؤكد أنه لم يحط بما كتبه في الكشاف وظل يضطرب اضطرابا شديدا في تصور المسائل البيانية الخالصة، ونقصد التشبيه، والمجاز، والاستعارة، والكناية، وأيضا فانه اضطراب بازاء ما كتبه من مسائل علم المعانى كالتقديم، والتأخير، والايجاز، والاطناب، والفصل، والوصل، وكأنه لم يفد شيئا مما سجله القرن الخامس عند عبد القاهر، والسادس عند الزمخشرى والفخر الرازى في مسائل علمى البيان والمعانى» [178] .
ولا شك عندنا في أن ابن الأثير قد قرأ كتاب الكشاف قراءة دقيقة وأعجب بكثير من التحليلات البلاغية فيه، ونقلها نقلا كاملا إلى كتابه المثل السائر وأورد كثيرا منها في كتابه الجامع الكبير، وقد بينا هذا بيانا نظنه كافيا في توثيق صلة ابن الأثير ببلاغة الكشاف.
أما أنه لم يفد منه في تصور الصورة البيانية فذلك ما أشرنا اليه وقلنا: لعل ذلك راجع إلى أن جهد الكشاف في دراسة صور البيان لم يكن بينا كجهده في دراسة صور المعانى.
ولم يكن الاستاذ الدكتور شوقى وهو من هو وحده الذى غاب عنه أثر الكشاف البين في كتاب المثل السائر، وانما كان ذلك حال غيره من الدارسين، ومنهم من عاش في عصر ابن الأثير وكانت بينه وبين ابن الأثير منافسة ومناقشة، وكان حريا به أن يدرك هذا الأخذ، ولكنه جهل هذا، وكان يناقش ابن الأثير فيما نقله من الكشاف وهو لا يدرى أنه في الحقيقة يناقش الزمخشرى.
فقد كتب العلامة الناقد عز الدين بن أبى الحديد كتابه الموسوم بالفلك الدائر على المثل السائر وتتبع فيه أفكار ابن الأثير يناقشها ويبطلها. وقد كان متحاملا أشد التحامل على الكتاب والكاتب، وهذه التسمية التى وسم بها كتابه خير دليل على هذه الروح المتعصبة فقد
(178) البلاغة تطور وتاريخ للدكتور شوقى ضيف ص 334.