فهرس الكتاب

الصفحة 698 من 744

{وَقَدْ جَاءَكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ مِنْ رَبِّكُمْ، وَإِنْ يَكُ كَاذِبًا فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ وَإِنْ يَكُ صَادِقًا يُصِبْكُمْ بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكُمْ، إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ كَذَّابٌ»} [8] .

ويقول في تحليله: «وفى سياق هذا الكلام من الملاطفة، وحسن الأدب، وكمال الانصاف، ما يربى على كل غاية، وبيانه من أوجه.

أما أولا: فلأنه صدّر الكلام بكونه كاذبا على جهة التقدير ملاطفة واستنزالا للخصم على نخوة المكابرة، ودعاء له إلى الاذعان، والانقياد للحق، وقدمه على كونه صادقا دلالة على ذلك، وأما ثانيا: فلأنه فرض صدقه على جهة التقدير مع كونه مقطوعا بصدقه، تقريبا للخصم وتسليما لما يدعيه من ذلك، وهضما لجانب الرسول، زيادة في الانصاف، ومبالغة فيه، وأما ثالثا: فانه أردفه بقوله: { «يُصِبْكُمْ بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكُمْ» } ، وان كان التحقيق أنه يصيبهم كل ما يعدهم به لا محالة من أجل الملاطفة أيضا، وأما رابعا: فانه أتى ب «ان» للشرط وهى موضوعة للأمور المشكوك فيها، ليدل بذلك على أنه غير مقطوع بما يقول، على جهة الفرض واذعانا للخصم على التقدير، لا إرادة هضمه لحقه، وأنه غير معط له ما يستحق من التعظيم، وأما خامسا: فقوله تعالى في آخر الآية: { «إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ كَذَّابٌ» } انما أتى به على التلطف والانصاف مخافة أن يبعدوا عن الهداية، ومحاذرة عن نفارهم عن طريق الصواب، فرضا وتقديرا، والا فلو كان مسرفا كذابا لما هداه الله إلى النبوة، ولما أعطاه اياها، وفى هذا الكلام من الاستدراج للخصم وتقريبه وادنائه إلى الحق ما لا يخفى على أحد من الأكياس، وقد تضمن من اللطائف ما لا سبيل إلى جحده» [9] .

وهذا مأخوذ من المثل السائر مع اضافات لا تزيد عن كونها شرحا له، وقد أشرت إلى أنه مأخوذ من الكشاف [10] .

(8) المثل السائر ج 2ص 260والآية من سورة غافر: 28

(9) الطراز ج 2ص 282، 283، 284.

(10) ينظر المثل السائر ج 2ص 261، 262والكشاف ج 4 ص 126.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت