والمثال الثانى الذى ذكره من القرآن في هذا النوع قوله تعالى:
{ «وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِبْرَاهِيمَ، إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا نَبِيًّا. إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ يَا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لَا يَسْمَعُ وَلَا يُبْصِرُ وَلَا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئًا» } الآيات [11] ، وقال معلقا عليها:
«فهذا كلام يهز الأعطاف، ويأخذ بمجامع القلوب في استدراج، والاذعان، والانقياد بألطف العبارات وأرشقها، وهو مشتمل على حسن الملاطفة من أوجه، أما أولا: فلأن إبراهيم صلوات الله عليه لما أراد هداية أبيه إلى الخير وانقاذه مما هو متورط فيه من الكفر والضلال الذى خالف فيه العقل، فساق معه الكلام على أحسن هيئة، ورتبه على أعجب ترتيب، من حسن الملاطفة، والاستدراج والرفق في الخصومة والحجاج، والأدب العالى، وحسن الخلق الحميد، وذلك أنه بدأ بطلب الباعث على عبادة الأوثان والأصنام، ليتوصل بذلك إلى قطعه وافحامه، ثم أنه تكايس معه، بأن عرض اليه بأن من لا يسمع ولا يبصر ولا يغنى شيئا من الأشياء لا يكون حقيقا بالعبادة، وأن من كان حيا سميعا بصيرا مقتدرا على الاثابة والعقاب متمكنا من العطاء والانعام والتفضل، من الملائكة وسائر الأنبياء من جملة الخلق فانه لا يستحق العبادة، ويستسخف عقل من عبده، فكيف من هذه حاله في عدم الحياة، والسمع، والبصر، من جملة الجمادات والأحجار التى لا حراك لها ولا حياة بها؟. وأما ثانيا: فلأنه دعاه إلى التماس الهداية من جهته على جهة التنبيه، والرفق به، وسلوك جانب التواضع، فلم يخاطب أباه بالجهل عما هو يدعوه اليه، ولا وصف نفسه بالاطلاع على كنه الحقائق، والاختصاص بالعلم الفائق، ولكنه قال: معى لطائف من العلم وبعض منه وذلك هو علم الدلالة على سلوك طريق الهداية فاتبعنى أنجك مما أنت فيه، وقال له: {«أَهْدِكَ صِرَاطًا سَوِيًّا» } ، ولم يقل: أنجيك من ورطة الكفر، وأنقذك من عماء الحيرة،
(11) مريم: 41وما بعدها.