فهرس الكتاب

الصفحة 71 من 744

الى مكة واجبة حفاظا على الدين، ورغبة في المغفرة فصح عزمه على الرحيل، وقد صور ما يجده وما يدفعه إلى الهجرة في قصيدة نظن أنه قالها في هجرته الأولى:

قامت لتمنعنى المسير تماضر ... أنّى لها وغرار عزمى باتر

أرخى قناعك يا تماضر وامسحى ... عينيك صابرة فإنى صابر

لو أشبهت عبرات عينك لجّة ... وتعرّضت دونى فإنى عابر

إنى لذو جدّ كما جرّبتنى ... صلب وبعض الناس رخو فاتر

سيرى تماضر حيث شئت وحدّثى ... إنى إلى بطحاء مكة سائر

حتى أنيخ وبين أطمارى فنى ... للكعبة البيت الحرام مجاور

متعوّذ بالرّكن يدعو ربّه ... يشكو جرائر بعدهنّ جرائر

يشكو جرائر لا يكاثرها الحصى ... لكنها مثل الجبال كبائر

والله أكبر رحمة والله أك ... ثر نعمة وهو الكريم القادر

وأحقّ ما يشكو ابن آدم ذنبه ... وأحقّ من يشكو إليه الغافر

فعسى المليك بفضله وبطوله ... يكسو لباس البر من هو فاجر

يا من يسافر في البلاد منقّبا ... إنى إلى البلد الحرام مسافر

إن هاجر الإنسان عن أوطانه ... فالله أولى من إليه يهاجر

وتجارة الأبرار تلك ومن يبع ... بالدين دنياه فنعم التاجر

تالله ما البيع الربيح سوى الذى ... عقد التّقى وكلّ بيع خاسر

خرّبت هذا العمر غير بقية ... فلعلّنى لك يا بقيّة عامر

وعهدتنى في كلّ شرّ أوّلا ... فلعلّنى في بعض خير آخر

فى طاعة الجبّار أبذل طاقتى ... فلعلّنى فيها لكسرى جابر

سأروح بين وفود مكة وافدا ... حتّى إذا صدروا فما أنا صادر

بفناء بيت الله أضرب قبّتى ... حتّى يحلّ بى الضريح القابر

ألقى العصا بين الحطيم وزمزم ... لا يطبينى إخوة وعشائر

ضيف لمولى لا يخلّ بضيفه ... ويبذل أقصى ما تمنّى الزائر

حسبى جوار الله حسبى وحده ... عن كلّ مفخرة يعد الفاخر

سأقيم ثمّ وثمّ تدفن أعظمى ... ولسوف يبعثنى هناك الحاشر

يا ليت شعرى والحوادث جمّة ... والغيب فيه للحكيم سرائر

والعبد يحرص أن ينفّذ عزمه ... ووراء عزم العبد حكم قاهر (47)

وتخلص في هذه القصيدة دوافع الهجرة لله، والرغبة في رضاه، والتخلص من الأخطاء، وهو هنا واعظ يعظ نفسه، ويحثها على طلب الدين والتقى، ويأسف على عمره الذى مضى والذى خربه بقلق وطموحه، وليس في هذه القصيدة سخط ولا لوم لمن ينتقص حقه ويتجاهل فضله.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت