فهرس الكتاب
العزم على الرحيل وأشار إلى أنه لا بد من عزيمة ماضية كالسيف:
قرّب قلوصى للترحّل يا فتى ... هذا القرار على الهوان إلى متى
لا بدّ من إصلات سيف العزم لا ... يفرى الطّلا الصّمصام إلا مصلتا
إن سرت عن عرصات قومى لم أكن
لأعيرهم من أخدعيّ تلفّتا [45]
ولا يبعد أن نتصور أن الزمخشرى كان محسودا من العلماء، فقد كان أعلم فضلاء العجم بالعربية في زمانه وأكثرهم اطلاعا على كتبها وبه ختم فضلاؤهم وكان يشعر بهذا وينوه به:
ألم تر أنّى حيثما كنت كعبة ... يحفّون بى كالطائفين طوايفا
فشرقيّهم يهوى إلى النور قابسا ... وغربيّهم يسعى إلى البحر غارفا [46]
ولا يبعد أنهم كادوا له عند نظام الملك وغيره من الأمراء، فحالوا بينه وبين نيل ما يراه أهلا له، وقد هاجم العلماء في مقالته الثالثة والأربعين، وذكر نفاقهم أمراء السوء، وتسخيرهم علم الشريعة لخدمة هؤلاء الأمراء، وشبههم بالأراقم اللاسعة، وهذا التشبيه يوحى بصدق هذا الظن.
وقد ذكر الزمخشرى أنه مرض مرضا شديدا سماه الناهكة، وأنه عاهد نفسه فيه ان شفى ألا يطأ عتبة سلطان، وكأنه كان يشعر أن مدائحه للوزراء والأمراء وطلبه العطايا والمنائح ذنب يستغفر منه، ومعصية تطلب منها التوبة. فبدأ حياة فيها قدر من القناعة والرضا، ولعل ذلك راجع إلى تمكين اليأس منه، والى أنه شارف الخمسين من عمره، فانكسرت حدة طموح الشباب، ولكنه لم يهدأ هدوءا كاملا، بل كانت تعاوده ثورة نفسه، وسخطه على مجتمعه حتى رأى الهجرة
(45) الديوان ورقة 13.
(46) الديوان ورقة 79.