فهرس الكتاب

الصفحة 714 من 744

فأنت بالخيار في تقديم أيهما شئت في الذكر. وذكر هذه الآيات مثالا لهذا النوع، وهذا ما ذكره العلوى.

وأفهم من هذا الكلام أننا لو قلنا: «وأنزلنا من السماء ماء طهورا لنسقيه مما خلقنا أناسى كثيرا وأنعاما ولنحيى به بلدة ميتا» ، وقلنا:

«ثم أورثنا الكتاب الذين اصطفينا من عبادنا فمنهم سابق بالخيرات ومنهم مقتصد ومنهم ظالم لنفسه» ، وقلنا: «والله خلق كل دابة من ماء فمنهم يمشى على أربع ومنهم من يمشى على رجلين ومنهم من يمشى على بطنه» لم تنقص بلاغة الآيات، ولكان لها وجه من الحسن ما دام التقديم والتأخير سواء، ولا شك أن هذا رأى آفل ونظر قاصر، وذلك لأنه تجاهل لمقتضيات الأحوال ومتطلبات المقامات، فاذا كان الشيئان كل واحد منهما مختصا بصفة فاننا لسنا بالخيار كما قال ابن الأثير وتبعه العلوى وانما علينا أن نقدم الشيء المختص بصفة يقتضى المقام تقديمها على غيرها. فلما كان المراد والله أعلم بمراده بيان حال من أورثهم الله الكتاب وأن أكثرهم على ظلم نفسه وقليل منهم المقتصد وأقل منه من سبق بالخيرات ناسب هذا أن يقدم الأكثر لأنه الأعون على المراد ولأن فيه مبادرة بالعتاب على تفريط المؤمنين في حق أنفسهم، فأكثرهم ظالم لنفسه، ولما كان المراد بقوله تعالى: { «وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً» } بيان دقة صنع الحكيم سبحانه واحكام ما في هذا الكون على نظام دقيق وترتيب عجيب جاء بهذا الترتيب المؤذن بترتب الأسباب وبيان ما عليه أمر الناس ومعاشهم في هذه الأرض الميتة التى أحياها الله بالماء فأحيا فيها أنعامها فكانت حياة الناس وكان متقلبهم، ولما كان المراد بقوله تعالى: { «وَاللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ» } اظهار آثار قدرة الله سبحانه كان الأنسب ذكر الأعجب، فقدّم من يمشى على بطنه ثم من يمشى على رجلين إلى آخره.

لهذا لم تكن مراعاة الصفات الأخرى مسايرة لقانون البلاغة، وليس فيها شىء من الحسن كما يقول العلوى وابن الأثير.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت