ثم ثلث ب «السابقين» وهم أقل من المقتصدين، فلا جرم، قدم الأكثر ثم بعده الأوسط ثم ذكر الأقل آخرا لما أشرنا اليه، ولو عكست هذه القضية فقدم السابق لشرفه على الكل، ثم ثنى ب «المقتصد» لأنه أشرف ممن يظلم نفسه، لم يكن فيه اخلال بالمعنى، فلا جرم روعى في ذلك تقديم الأفضل فالأفضل، ومما ينسحب ذيله على ما قررناه من الضابط قوله تعالى: { «وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا. لِنُحْيِيَ بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا وَنُسْقِيَهُ مِمَّا خَلَقْنَا أَنْعَامًا وَأَنَاسِيَّ كَثِيرًا» } [46] فقدّم حياة الأرض لأنها سبب في حياة الخلق، فلأجل هذا قدمت لاختصاصها بهذه الفضيلة، ثم قدّم حياة الأنعام على حياة الناس لما فيها من المعاش للخلق والقوام لأحوالهم.
فراعى في التقديم ما ذكرناه، ولو قدّم سقى الخلق على سقى الأنعام لاختصاصهم بالشرب، وقدّم سقى الأنعام على الأرض لكان له وجه، لأن الحيوان أشرف من غيره، فكل واحد منهما مختص بفضيلة يجوز تقديمه لأجلها فلأجل هذا ساغ فيه الأمران كما ترى، ومما نورده من ذلك قوله تعالى: { «وَاللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ مِنْ مَاءٍ، فَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلى بَطْنِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلى رِجْلَيْنِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلى أَرْبَعٍ» } [47] وانما قدّم الماشى على بطنه لأنه أدل على باهر القدرة، وعجيب الصنعة من غيره، وثنى بمن يمشى منهم على رجلين لأنه أدخل في الاقتدار ممن يمشى على أربع، لأجل كثرة آلات المشى، فيكون التقديم على هذا من باب تقديم الأعجب في القدرة فالأعجب، ولو عكس الأمر في هذا فقدّم الماشى على الأربع ثم ثنى بالماشى على رجلين ثم ختمه بالماشى على بطنه، لكان له وجه في الحسن وعلى هذا يكون تقديمه من باب الأفضل فالأفضل» [48] .
وهذا مأخوذ من المثل السائر وقد نظر ابن الأثير إلى ما ذكره الزمخشرى في هذه الآيات وأخذ تحليله لها وبيان سر التقديم فيها وأضاف إلى كلام الزمخشرى: أنه إذا كان الشيئان كل واحد منهما مختصا بصفة
(46) الفرقان: 48، 49
(47) النور: 45
(48) الطراز ج 2ص 73، 74، 75