العلوى أفاد بعض التحليلات في باب التقديم مما ذكره ابن الأثير في كتابه وهو مأخوذ من الكشاف، وقد أشرت إلى ذلك في موضعه، يقول العلوى: «ومن هذا يعنى تقديم الخبر على المبتدأ: {«وَظَنُّوا أَنَّهُمْ مَانِعَتُهُمْ حُصُونُهُمْ مِنَ اللَّهِ» } [41] فانما قدم قوله: { «مَانِعَتُهُمْ حُصُونُهُمْ مِنَ اللَّهِ» } وهو خبر المبتدأ في أحد وجهيه ليدل بذلك على فرط اعتقادهم لحصانتها، ومبالغة في شدة وثوقهم بمنعها اياهم، وأنهم لا يبالون معها بأحد، ولا ينال فيهم نيل، وفى تقدير «هم» اسما، واسناد المنع والحصون اليهم، دلالة بالغة على تقريرهم في أنفسهم أنهم في عزة ومنعة لا ترمى حوزتهم، ولا يغزون في عقر دارهم» [42] .
وهذا مذكور في المثل السائر وأصله في الكشاف [43] .
وانما رجحت أن العلوى أفاد هذا من المثل السائر ولم يأخذه من الكشاف لأنه ذكر مع هذه الآية قوله تعالى: { «فَإِذَا هِيَ شَاخِصَةٌ أَبْصَارُ الَّذِينَ كَفَرُوا» } [44] ، وقوله عليه الصلاة والسلام وقد سئل عن ماء البحر فقال: «هو الطهور ماؤه الحل ميتته» ، ولم يذكر الزمخشرى شيئا في آية { «فَإِذَا هِيَ» } ، كما لم يذكر الحديث الشريف في هذا الموضع، وكل هذا مذكور في المثل السائر، كما هو مذكور في الطراز.
ويقول العلوى: «اعلم أن الشيئين إذا كان كل واحد منهما مختصا بصفة تقتضى تقديمه على الآخر فأنت بالخيار في تقديم أيهما شئت، وهذا كقوله تعالى: {«ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا، فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ» } [45] فانما قدم «ال {ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ» } لأجل الايذان بكثرتهم، وأن معظم الخلق على ظلم نفسه، ثم ثنى بعدهم ب «المقتصدين» ، لأنهم قليل بالاضافة إلى الظالمين،
(41) الحشر: 2
(42) الطراز ج 2ص 68
(43) ينظر المثل السائر ج 2ص 221، 222والكشاف ج 4 ص 398
(44) الأنبياء: 97
(45) فاطر: 32