وقد أشرت في دراسة الأمر والنهى في بحث الجملة إلى الالهاب والتهييج وقد أكثر الزمخشرى الحديث عن هذه المعانى وقد ذكر هذه الآيات، ولذلك نرى أن هذا النوع من البديع في كلام العلوى مستنبط من الكشاف، وليس له فيه الا أنه جعله صنفا مستقلا، وجمع فيه هذه الشواهد، وهى منثورة في الكشاف.
وقد خفى على بعض الدارسين تأثر العلوى بالبحث البلاغى في الكشاف، فذكروا هذه التحليلات البلاغية المأخوذة من الكشاف شاهدا ودليلا على أن العلوى أديب، متذوق، قادر على أن يضع يدك على مواضع الحسن، وينبهك إلى جهات الجمال في التعبير.
يقول الأستاذ الدكتور بدوى طبانة بعد ما قرر اهتمام العلوى بالمسائل العقلية والفقهية وعنايته بالضبط ومعرفة الماهية يقول: وفى كثير من الأحيان تجد في الطراز كتابة أديب متذوق يضع يدك على مواضع الحسن وينبهك إلى جهات الجمال والكمال في التعبير ومن غير حاجة إلى حدود، أو مصطلحات، ومن غير لجوء إلى منطق أو استدلال، وهاك نموذجا مما كتبه في الابهام والتفسير: «اعلم أن المعنى المقصود إذا ورد في الكلام مبهما فانه يفيده بلاغة ويكسبه اعجابا وفخامة، وذلك لأنه إذا قرع السمع على جهة الابهام فان السامع له يذهب في ابهامه كل مذهب، ومصداق هذه المقالة قوله تعالى: {«وَقَضَيْنَا إِلَيْهِ ذَلِكَ الْأَمْرَ» } ثم فسره بقوله: { «أَنَّ دَابِرَ هَؤُلَاءِ مَقْطُوعٌ مُصْبِحِينَ» } [118] ، وهكذا في قوله تعالى: { «إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا» } فأبهمه أولا ثم فسره بقوله: { «بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا» } [119] ، ففي ابهامه في أول وهلة ثم تفسيره بعد ذلك تفخيم للأمر وتعظيم لشأنه فانه لو قال:
وقضينا اليه أن دابر هؤلاء مقطوع، وان الله لا يستحى أن يضرب مثلا بعوضة، لم يكن فيه من الفخامة وارتفاع مكانه في الفصاحة مثل ما لو أبهمه قبل ذلك، ويؤيد ما ذكرناه هو أن الابهام أولا يوقع السامع
(118) الحجر: 66
(119) البقرة: 26