فى حيرة وتفكر واستعظام لما قرع سمعه فلا تزال نفسه تنزع اليه وتشتاق إلى معرفته والاطلاع على كنه حقيقته، ألا ترى أنك إذا قلت: هل أدلك على أكرم الناس أبا، وأفضلهم فعلا، وحسبا، وأمضاهم عزيمة، وأنفذهم رأيا؟ ثم تقول: فلان، فان هذا وأمثاله يكون أدخل في مدحته مما لو قلت: فلان الأكرم الأفضل الأنبل، وما ذاك الا لأجل ابهامه أولا وتفسيره ثانيا، وكل ذلك يؤكد في نفسك عظم البلاغة في الكلام» ثم يقول الأستاذ معلقا على هذا الكلام: ومثل هذا الأسلوب كما ترى هو الأسلوب الذى يشحذ الملكات وينبه الأذواق إلى البحث واستجلاء بلاغة الكلام التى لا يغنى في تذوقها منطق أو تحديد أو تقسيم [120] .
وواضح أن هذا الكلام الذى يستشهد به على قدرة العلوى الأدبية ليس من مبتكراته وانما أخذه من المثل السائر، وقد أشرت إلى أن أصله يرجع إلى الكشاف، وأن أكثر الألفاظ والعبارات للعلامة الزمخشرى.
ولهذا لا يصح أن يكون شاهدا على أن العلوى أديب متذوق.
ثم اننى أرجو بهذا أن أكون قد وفقت في بيان أثر البحث البلاغى في الكشاف، في الاتجاهات البلاغية المختلفة، التى سارت فيها الدراسات البلاغية بعد الزمخشرى.
ومن الحق أن ما أفاده ابن الأثير من الكشاف قد يكون أهم ما جاء في كتابه وأقربه إلى الروح الأدبية المتذوقة، وكذلك الحال في كتاب الطراز فان ما يرجع إلى الكشاف منه قد يكون خير ما فيه، واذا كان هذا حال هذين الكتابين مع تحليلات الزمخشرى فلا نظن الا مثل هذا وأزيد بالنسبة لما في المفتاح ومدرسته، فاننى أرى الجذاذات المقتبسة من الكشاف كأنها قبسات مضيئة في أمهات كتب هذه المدرسة وهى فيها أوضح وأجلى، وهذا في تقديرى راجع إلى أمر هو أن بلاغة الكشاف بلاغة مرتبطة بالنص فهى تحليل للنصوص، ونظر في خصائصها، وليس أجدى في البحث البلاغى من هذا الاتجاه، وقد اتجهت بعض الدراسات
(120) البيان العربى، للدكتور بدوى طبانة ص 263.