وسارت الأمور على هذا المنوال حتى اتصل الإخوان من الحجاز، وطلبوا اللقاء مع مجموعتنا فذهبنا إلى الحجاز ومكثنا أسبوعًا عند الأخ سعود القرشي تقبّله الله، ووقتها تم نشر قائمة التسعة عشر مطلوبًا، والتي كان من ضمن أفرادها الشيخ أحمد والشيخ يوسف وغيرهم، بعد ذلك رجعنا إلى القصيم لترتيب بعض الأمور ثم رجعنا مرةً أخرى إلى الحجاز، وتم اللقاء مع الإخوة في مكة، وكان الإخوة قد استأجروا شقةً بحي الخالدية فنزلنا بها ومكثنا فيها أسبوعين ..
وكان الشيخ أبو ناصر يلقي علينا الدروس في العقيدة والفقه وبعض الإخوة جزاهم الله خيرًا يتخولوننا بالمواعظ والدروس ..
س- ما هو السبب المباشر في اكتشاف هذه الخليّة المباركة؟
ج- الله المستعان، يجب أن نعلم أن كل شيء بقضاء وقدر، وأن ما شاء الله كان و ما لم يشأ لم يكن، وأن الخير كله فيما اختاره الله، وحقيقة الأمر أن اثنين من الإخوة خرجا إلى جهة الطائف ببعض سياراتنا لكي يعاينوا محلاتٍ للتدريب، ولكن الاتصال معهم انقطع، مكثنا يومًا أو يومين ولم يعودوا، فشددنا الحراسة ووضعنا خطةً للقتال، ثم وَصَلَنَا بوسائلنا الخاصة - من بعض المتعاونين في الجهاز الأمني - أن الأخوين قد اعتقلهم الطواغيت، فتم الاستعداد للانتقال من شقة الخالدية ..
يوم الثلاثاء شعرتُ ببعض الحركة في الخارج - وكانت مناوبتي في الحراسة - فنظرت فإذا بسيارةٍ لتحميلِ وتنزيل العصائر ونزل منها بعض العمال، واتجهوا إلى العائلة القاطنة بالدور الأعلى، وقد كنت شاكًا في حقيقة هؤلاء العمّال والله أعلم بهم ..
عند التاسعةِ مساءً وبعد أن صليّنا صلاتي المغرب والعشاء سمعنا قرعًا قويًا على الباب، وقد كنا مستعدين وحاملين لأسلحتنا لم نغفل عنها فلم نؤخذ على حين غِرّةٍ منّا ..
تراجع بعض الإخوان نحو الشقة الأخرى من باب الشقة الخلفي - حسب الخطة - وثبت الباقون في أماكنهم وفي هذه الأثناء فُتح الباب الأمامي فجأة واقتحم جنود الطاغوت وبدأوا إطلاقَ النار وبكثافة، وكنا قد وضعنا قنبلةً أنبوبية في مكان استراتيجي في المدخل ولم نفجّرها بعد، رددنا على إطلاق النار بوابل من رشاشاتنا فسبب لهم ذلك ذعرًا شديدًا فانسحبوا، ثم عاودوا الكرة بعد قليل، واقتحم سبعةٌ أو ثمانيةٌ منهم ودخلوا الشقة بسرعة، فتراجع الإخوة إلى الشقة الأخرى وغطّى انسحابهم الأخ أبو عبد الله المكي (عبد الحميد تراوري تقبله الله) فأصيب، فرجعَ إلى الغرفة الخلفية وشهق ثلاث شهقات ثم صعدت روحه إلى بارئها وهو يبتسم! ..
ورآه الشيخ أبو ناصر وأحد الإخوة وهو يبتسم رحمه الله وأسكنه فسيح جناته، فتحمّس الإخوان كثيرًا وقال أحدهم: أهذا هو الموت؟، فتقدم الإخوة وهم يكبّرون ويهللون، وسقط اثنان منهم نسأل الله أن يتقبّلهم، والتفت إليّ في هذه الأثناء أبو ناصر وقال لي: القنبلة!، وعلى الفور فجّرتُ القنبلة التي ملأناها بالشظايا فأوقعت فيهم خسائر كبيرة ولله الحمد ..
ولما انقشع الغبار واستقرت شظايا القنبلة نظرنا فلم نرَ أحدًا منهم!! ولّوا الدُبر جميعًا .. وكفوا عنا لمدة ربع ساعة - أُطفئت خلالها الأنوار -، فتقدم أبو ناصر رحمه الله إلى الباب الخلفي ليفتح لنا طريقًا فوجد عنده اثنين من جنود الطاغوت فاشتبك معهم على الفور، وتمكن أحدهما من إصابته في يده، فتراجع إلى الخلف فتمكن الآخر من إصابته إصابةً أخرى في يده الثانية، وظننت للوهلة الأولى أنها قد أعيقت ولكن رحمة الله ولطفه ما انفكت ترافقنا طيلة هذه الأحداث ..
ذهبتُ مسرعًا إلى أبي ناصر وأخذت عمامتي ولففتها على يده فتوقف نزيف الدم لفترةٍ قصيرة ثم رجع ينزف مرة أخرى، وخلال هذه الفترة كانت القنبلة التي فجّرناها قد آتت أكلها على أحسن وجه، فلم يتقدم من الجهة الأمامية أحدٌ من جنود الطاغوت، ومن الجهة الخلفية كان هناك