ظن حمزة سيوافق، فزيارة إيطاليا أمنية آلاف الشباب .. ولكن حمزة لم يكن كالشباب .. كان مستقلًا بنفسه وطموحاته وآماله وآلامه.
حمزة اكتوى قلبه بنار القهر، يرى مجازر الدماء وصمت العالم المخزي فيطيش عقله ويقسم على الثأر للمستضعفين وهجر الترف والنعيم ..
حمزة ذاب قلبه شوقًا لرؤية الله ونعيم الجنة .. وتكسّرت لذائذ الدنيا أمام عينيه، أمام مشاهد السحل والقتل؛ فرفض اقتراح أخيه رفضًا قاطعًا ..
حاول أخاه أن يثنيه عن قراره، وأخذ يعرض عليه محاسن تلك الديار، وأن مستقبله هناك، لعل قلبه يلين، فكان يرفض ويقول: مستقبلي هنا وليسَ هُناك!
أضحت ألوان الدنيا رمادية في عين حمزة، كل الألوان الجميلة في جنة الأفراح .. حيث الخلود الأبدي والنعيم السرمدي .. فشغف قلبه بتلك الدار ..
الله أكبر .. حمزة ثابتٌ كالطود رغم المغريات والفتن .. مرة أخرى؛ حاول أخاه أن يقنعه بالهجرة إلى إيطاليا ولو بعد سقوط بشار ..
فكان جواب حمزة هذه المرة كصاعقة ضربت أوتار القلب الغافل، قال له: لا يا أُخيّ .. الطريق ما زال طويلًا؛ فإن انتهينا من بشار سنتجه إلى القدس فاتحين .. !
أُسقِط في يد الأخ، وعلم أن قلب حمزة نقي لم تخالطه الأدناس ولم تشوبه لوثة العصرنة .. وظل حمزة في أرض الملاحم مراغما لأعداء الله ..
حمزة أوجعه قلبه على حال أمته وتخلف شبابها عن ميادين النخوة والعزة .. فكان شهمًا مع المجاهدين، ملازمًا للجبهات ما بين رباط وانغماسات ..
دخل مع إحدى الكتائب فرآهم يدخنون ويُقصرون في الصلاة؛ فنهاهم مرارًا .. وكان يقول لهم: كيف سننتصر ونحن نعصي الله؟ ولما لم يستجيبوا هجرهم ..
شاهد المهاجرون يتدفقون من كل أقطار المعمورة نصرة لدين الله، هجروا الأوطان والأهل والخلان .. فأُعجب بهم وتمنى القرب منهم ..
ذاتَ مساء صليت في أحد مساجد مدينة حلب، وبعد الصلاة انفضت الجموع إلا شاب ينتظرني وعليه آثار الحياء .. اقتربت منه فصافحته فدخل قلبي ودخلتُ قلبه!
كان معي صديق الدراسة والنفير"أبو البراء المدني"- تقبله الله - وقد كان يحب الجلوس مع شباب الأنصار، فجلس مع حمزة فأعجب بهدوئه وسلامة فطرته وفكره ..
أحب حمزة أبا البراء، وحينما انتهى اللقاء خرج فقال لرفيقه: والله جلست مع شيخ طيب وحبيب .. ما رأيت أحسن منه في حياتي كلها .. !