كان في جامع القرية الكبير لقاء أسبوعي بين"المهاجرين والأنصار"لتأليفِ القلوب وتقريب وجهات النظر .. نظر حمزة إلى إخوانه المهاجرين ثم همس في أذني قائلا: هؤلاء أريد أن ألتحق بهم ..
مرت شهور وأيام وأنا ألتقي بحمزة في بيت الله، ألفيته محافظًا على الصلوات الخمس، وحتى مع اشتداد البرد أراه يأتي إلى صلاة الصبح متلثمًا ..
صاحبي"أبو البراء المدني"ذا صوت شجي، فخصّص حلقة قرآن في المسجد بين العشائين .. فكان أول الطلبة حضورًا حمزة، وكأنه كان ينتظرها منذ زمن!
راحة القرآن وسكينته إذا غمرت الأرواح المتعبة هدأت واستكانت؛ لذا كان حمزة حريصًا على جلسة القرآن؛ لأنها دواء قلبه وغذاء رُوحه ..
أتى"أبو البراء"يومًا بأوراق فيها أحكام التجويد، فأعطاها حمزة ليقرأها ويستفيد منها .. لا زلت وكأني أراهم كالبلابل يشدون ويترنمون بآي القرآن في ساح الجنة!
ألحّ علينا حمزة أن نزوره في منزله لنتعارف أكثر فوعدناه، وقبل ميعادنا أتى نبأ استشهاد شقيق الروح"أبو البراء"الذي تاقت نفسه للشهادة زمنًا طويلًا ..
فرحت لاصطفاء الله لصاحبي وحزنت على ذنوبي التي أخرتني عن اللحاق بالصحاب، ثم قلت في نفسي: وعدنا حمزة أننا سنزوره فلا بد من الإيفاء بالوعد ..
ذهبت الأيام .. أتاني حمزة ذات مساء يشاورني في إكمال طريق"القتال"أم سلوك طريق"طلب العلم"فقلت له: المقاتلين اليوم كثير ولكنّ أصحاب العقيدة قليل ..
قرّر حمزة أن يأخذ"استراحة محارب"ينهل فيها من معين العلم الشرعي ثم يكمل طريقه بوضوح وثبات .. فالتحق بالمعهد الشرعي ..
في المعهد الشرعي أتى حمزة بعزيمة متوقدة وذهن متفتح، فكنتُ ألحظ مخايل النجابة عليه فأرمقه بإعجاب .. وأرى له مستقبلًا مشرقًا ..
حفظ متن: الأصول الثلاثة، والقواعد الأربع، وشروط الصلاة، عن ظهر قلب مع إتقان مسائلها .. قلت: إن ثبت سيكون منارة علم بإذن الله ..
أثناء الشرح كان لا يفوّت كلمة إلا سجلها في دفتره، ويتفقد من حوله من الصحاب فيحرّصهم على الكتابة .. لا يرضى لهم أقل من طموحه الوقاد ..
كان عدد طلاب المعهد 22 طالب، في الاختبار الأول والثاني حقق منهم 13 طالبًا الدرجة كاملة والبقية قريبٌ منها .. كوكبة متميزة لم أُصادف مثلها في حياتي ..
حمزة كان أميز المميزين؛ فقد كانت إجاباته كاملة وافية تبلّ القلب وتشرح الصدر؛ لذا استحقّ"المركز الأول"بجدارة، فكرمته أمام الجموع فخورًا به ..