ولو قلت إنني لم أعايش شخصًا مثل الشيخ عطيّة الله الليبي من جيله في ساحات الجهاد لما كنت في كلامي مبالغًا؛ فالشيخ عطيّة الله الليبي كان عفّ اللسان، كان مؤدّبًا، كان كريمًا، كان خلوقًا، كان منصفًا، وكان ذكيًا حقيقة ومدركًا لما حوله.
ومما يعجبني فيه قدرته على التمييز بين ما يؤخذ وما لا يؤخذ من كلام بعض أهل العلم في اجتهاداتهم، وإنصافه لهم مع ذلك، ومن ذلك على الخصوص: موقفه من مدرسة مشايخ نجد المعاصرة؛ الشيخ محمد بن عبد الوهاب -رحمة الله عليه-، والمشايخ النجديين من بعده؛ حيث كانت لي وإيّاه آراء متطابقة في هذا المجال، خطرت لكلّ منّا لوحده فتواردت فيها الخواطر، وهذا كان ممّا أعجبني فيه حقيقة.
وما رآه الشيخ عطيّة الله الليبي في الجزائر من غلوّ الغلاة أضاف إلى رصيده العلمي رصيدًا من التجربة كان له أثرٌ إيجابيٌ كبيرٌ جدًّا في فتاوى وآراءِ ومواقفِ الشيخ عطيّة الله الليبي -رحمة الله عليه-.
ونقول اليوم: إن غياب الشيخ عطيّة الله الليبي عن ساحة الجهاد وعن القاعدة كان خسارة عظيمة؛ لأنه وجه علمي، جهادي، متميّز، معتدل، متّزن، خلوق، يعرف للناس أقدارهم، ويحفظ لهم منزلتهم ومكانتهم، وهذا شيء نادر حقيقةً في ساحة الجهاد التي يغلب عليها عادةً التوتّر وعدم الاتّزان عند بعض وليس كل طلّاب العلم الذين هم في الحقيقة قليلون في الأصل في ساحة الجهاد.
الشيخ عطيّة الله الليبي قُتل-رحمة الله عليه- في غارة أمريكية بطائرة بدون طيّار قبل خروجي من المعتقل في موريتانيا بعد عودتي من إيران.
أو نقول للتصحيح: قبل خروجي من المكان الذي كنت موقوفًا فيه لأنه ليس معتقلًا وإنما مكان إيقاف فقط.